لقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للمدينة، وحمّل أهلها البلاء والجوع والخوف (كما في كلام حذيفة)، إذ خربت زراعتهم، وخربت تجارتهم، وقتل سُراتهم، ولا يكاد البلاء يذهب حتى يأتي غيره فما هو النفاق والمرض يومها؟ هل هو الشك بصدق النبي صلى الله عليه وسلم؟
لنقرأ هذه الآيات التي بين أيدينا لتكشف هذا النفاق والمرض.
إنه مرض الهروب والخوف من المواجهة، فهو مرض لا علاقة له بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من العلم، ولكنه المرض المرتبط بالتكاليف التي يحملها هذا الدين وخاصة الجهاد في سبيل الله تعالى.
﴿وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا﴾، هذا هو نفاقهم، وهذا هو مرض قلوبهم، يطلبون من المسلمين ترك الرباط حول الخندق.
﴿ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فراراً﴾، يريدون ترك الرباط وهم في ذلك يستأذنون، فهم على حال خير من قوم يتركون ويسبون ويلعنون، ويحملون المجاهدين سبب المصائب التي حلت عليهم.
هؤلاء ذكرهم الله في سورة النساء، فقد قال تعالى:- ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك، قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً﴾
نفاق لا يريد إلا أن يأتيهم الدين الحق إلا بالحسنات الدنيوية من النعيم والترف والأموال والملك والسلطان، لكن إن جاء البلاء سبوا المجاهدين الذين سببوا بهذا، فإن جاءت الحسنة قالوا: هذا هو الدين الحق، فهو يحقق الرخاء والسعادة والطمأنينة، وذهبوا يعددون نعم الله عليهم إذ ساق لهم هذه الرحمة وجعلهم من أهلها، فهم موفقون في أعمالهم وتجارتهم، مطمئنون في أسرهم، محبوبون في مجتمعاتهم، ولا ينغص عليهم شيء، وقد زادوا في زماننا أموراً (رائعة) فهناك الزي الإسلامي الذي يوافق الرغبات، وهناك الموسيقى الإسلامية التي تسد مَسَدّ موسيقى الفحش والعهر، وهناك البنوك الإسلامية التي تحقق الفوائد المضاعفة عن البنوك الربوية، كل هذا وغيره يوجب عليهم أن يقولوا:- هذه من عند الله، ولذلك فالحمد لله.
أما إن جاءت الآخرى، وقام الجهاد في سبيل الله تعالى ((وآية النساء هذه في سياق قضية الجهاد إذ قال الله قبلها سياقاً من آيات عدة ابتدأت بقوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً)) ثم عرض القرآن قضية الرافضين لشريعة الجهاد بقوله تعالى ((ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو اشد خشية، وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب، قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلاً)) ثم كانت هذه الآية ((أينما تكونوا يدرككم الموت)).
أقول: إن جاءت الأخرى وقام الجهاد في سبيل الله تعالى وبدأت المحن، فهذا قتيل وهذا سجين، وهذا خربت تجارته، وهذا ذهبت زراعته، وهذا شرِّد، وهذا أخذ فأهين في بدنه ونفسه حينها قال المنافقون ومرضى القلوب مقالتهم:- "هذه من عندكم" أنتم سببها، وأنتم جلبتموها علينا، فأسأتم لنا وللمسلمين، والله يقول: قل كل من عند الله.