تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عاصم بن ثائب الأنصاري فحصل ما حصل في ماء الرجيع، فطريق هؤلاء القوم طريق المخاطر وتحتفها النيران من كل جانب، وهم يريدون المهادنة والسلامة، لا يشغلهم إلا زراعة أرضهم وعيش أهلهم بتجارة، فما لهم ولهذه الحال.

ثم الآن في حصار الأحزاب.

لقد بلغ السيل الزبى ولابدّ من الخروج بعيداً عن هؤلاء الذين يعيشون أخبار الغيب أكثر من عيشهم أخبار حركة الأموال بين التجار.

لقد نشط هؤلاء في بداية الأمر نشاط المنسجم مع المجموع حتى إذا جاء الصَّهر وبدأت المحنة قالوا مقالتهم تلك:- "يا أهل يثرب لا مقام لكم".

فقد كانوا مرابطين مع الناس، يقفون في وجوه الأحزاب، فبدأ الوهن يتخلل قلوبهم ونفوسهم، فصرخوا بما ضعفوا به أمام إغواء الشيطان وتدسسه في أنفسهم:- يا أهل يثرب لا مقام لكم في هذه الأربطة، واتركوها إلى بيوتكم.

هذا دخان الخبث في النفوس يتصاعد منها حين الضغط والإمتحان، فترتجف الأرجل من خفق القلوب، ويمد هذا الإرتجاف شك القلوب وضعف يقينها وقلة صبرها، ولو كانوا مؤمنين لما ذهبوا مع هذا الإرتجاف بل صدوه وحاربوه باليقين على وعد الله، وإلزام الأرجل الربط في الأماكن حيث أمرهم به قائدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تأمل هذا الحال وتنعم به، حال يكون الناس فيه صفاً واحداً، ينظرون إلى حراب الموت أمام صدورهم، والنفوس تزلزل من هول المقام، وفجأة يصرخ بينهم من يصرخ:- أيها الناس ليس هذا لنا بمقام، ثم يبدؤون بالنزوع والخروج يتسللون لواذاً أمام الجموع، وهم لا يلتفتون لأمر قائد ولا لنصح ناصح.

في سورة النور كان التأديب الإلهي للمؤمنين أن لا يتحركوا من أماكنهم وهم معه على أي حال يكونون حتى يستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:- ((إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله، فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم)).

فهذا أمر المؤمن لا يترك مقعده مع المؤمنين وهم على أمر من أمورهم إلا أن يستأذن قائده، حتى لو أراد قضاء حاجة من حاجاته لأن أمر المؤمنين أولى وأرعى.

أما الذين يستأذنون بترك الجهاد فهؤلاء لهم شأن شر في كتاب الله تعالى، يقول تعالى في سورة التوبة:)) لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين، إنما يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريب يترددون))

هم يستأذنوه في وقت الجهاد الواجب حين يستنفرهم القائد لهم كما في غزوة تبوك، أو حين يحضر اللقاء والصف بين المؤمنين والكافرين، وهذا استئذان الجبان الخوار، وهذا استئذان المنافق ومريض القلب، واليوم في عصرنا وقد حضر هذا الواجب العيني من وجوه كثيرة تجد من يمنع الجهاد عن غيره، لا يستأذن بالنكوص عنه فقط، ويصرخ في الناس صريخ الشيطان: لا تعرضوا أنفسكم للهكلة، ولا تبكوا أهليكم عليكم من بعدكم، ولا تنغصوا النوم الهنيء لحكامكم

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٠٨