يؤمنون بهذا وهم قلة، ويوقنون بوعد الله والظلمة قاسية ساجية، والآلام تضغط على النفوس والأبدان، فيصبرون ويصبرون، ويورثون هذا الصبر للأجيال وهم مقيمون على أمر الله بالجهاد والإستشهاد حتى يأتي وعد الله تعالى.
إن المجاهدين فقط هم الذين يحملون هذه الوعود عملاً، ويمهدون لها سبلاً، ويوقظونها في القلوب كلما كادت أن تنسى أو تحَرَّف بتأويل، لأن غيرهم يخجل منها، فهم لا يطمعون بالوراثة، بل جل ما يطلبون ويأملون أن يكون لهم حضور في نسيج الجاهلية الضالة، فأنى لهؤلاء أن يفكروا بميراث وتمكين؟!
في سورة براءة سمى الله هذه الكلمات كفراً، ففيها نزل قوله تعالى ((يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ... إلى قوله تعالى- مالهم في الأرض من ولي ولا نصير)) وهذه الآية دلت أن الكفر يكون كلمة يقولها المرء وهو مسلم فيكفر بالله تعالى مع عدم إرادته الكفر، فإن الرجل الذي قال هذه الكلمة كان نصّ كلامه لابن زيد:- يا فلان، أرأيت إذ يقول رسول الله صلى لله عليه وسلم: "إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله" فأين هذا من هذا وأحدنا لا يستطيع أن يخرج يبول من الخوف؟ ((ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً)).
والجهل الذي أصاب هذا وأقرانه ووراثه من إخوانه في زماننا أنهم لم يفهموا معنى المنح الربانية، ولم يفقهوا أن الأرحام تدفع ما فيها من خلال مخاضات الآلام، وأن البشائر لا تأتي إلا بعد الرعود والبروق والهول.
إن هذا الدين مربوط بوعود إلهية عظيمة، ولعظمة هذه الوعود وجلالها فإن لها تناسب مع عظمة البلاء التي تتلازم معها، وكلما اشتد الخطب دل أن الخير عظيم، وكلما كانت المحن كانت الدرجات في الدنيا والآخرة، ولهذا كانت هذه الأمة أمة محنة وبلاء، وهذا قدرنا الذي لا تنفك عنه حتى لو أرادت ذلك –وقد شرحت هذا في موضع آخر-، حين تهرب الأمة من المواجهة إنما تهرب من دينها وهي لا تشعر، وتهرب كذلك من الوعود الإلهية.
﴿وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فراراً، ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها إلا يسيراً، ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولاً، قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذاً لا تمتعون إلا قليلاً، قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أردا بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم ولياً ولا نصيراً﴾
هذه طائفة من المنافقين ومرضى القلوب أرادت أن تتخذ موقفاً عملياً يتناسب مع ريبها وشكها في وعد الله تعالى، وقد رأت نفسها في طوق جماعة فرضت عليها فرضاً، جماعة رضيت طريق الله وسبيل الجهاد والشهادة، وهم لا يجمعهم معهم إلا السكنى في الأرض الجغرافية فقط، فأرادوا أن يتنصلوا من هذا الإجتماع ليذهبوا بعيداً عنهم وعن إختياراتهم وقراراتهم، فما لهم ولهذا الأمر، وما الذي يجبرهم عليه؟ فهم يريدون الذهاب من هذا الإجتماع الموهم باتخاذ الغاية والهدف، واتحاد القرار والمصير، فالقوم من المؤمنين حديثهم حديث الجهاد وأخبار الشهداء، فمعركة تقوم ومعركة تأتي، ورجال يذهبون لبئر معونة فلا يعودون، إذ خرجت جماعة القراء بقيادة المنذر بن عمرو الخزرجي، وقبلهم خرج رجال