تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حين يفقه المرء هذا لفهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل" لأن الأنبياء لا يسعهم إلا العزيمة، عزيمة الصدع بالحق، وعزيمة سب دين المشركين وآلهتهم، وعزيمة كسر أصنامهم، وعزيمة جهادهم، وعزيمة الزهد في الدنيا، وعزيمة العبادة وترك الشهوات، ومن كان كذلك فسيبتلى بلاءً تلو بلاء، والناس بعد ذلك درجات في هذا المقام، وكلما اقترب الرجل من هذه العزائم كلما اشتد البلاء عليه، وكلما ترك باباً من أبواب العزائم كلما ابتعد عن طريق النبوة في ابتلائها.

مرضى القلوب لا يحبون هذا الطريق، فبدل أن يؤوا إلى أنفسهم فإنهم يخرجون على الناس بسب هذا الطريق وعيب أهله والتشنيع عليهم، ويملؤون الأجواء بكلماتهم:- أطيعونا فنحن أصحاب تجربة، وقد خضنا هذا الطريق فلم نجد شيئاً، مع أنهم لم يرفعوا في عين الناس إلا لأنهم سلكوا طريق الإبتلاء، إذ بدونها ما هم إلا رعاء الشاة وحملة أسفار بلا وعي كالكثير من أمثالهم في معاهد الدراسة والتعليم ومسالك الوظائف التي يأكل فيها أهلها الماء باسم الله وباسم دينه.

لكنهم يظنون أن ما يرفع لهم مقامهم في أعين الناس هو تميز علومهم ودقة فهم عقولهم لا ما قالوه من كلمة الحق التي ابتلوا بسببها لتلازمهما، وهذا من جهلهم عن الله وبعدهم عن كتاب الله، فإنهم لما تعروا عن كلمة الحق وبلائها عادوا حجارة كالحجارة الكثيرة التي فقدت نور الهداية للناس والحياة، وما أكثر الحجارة المنبوذة في الأرض.

﴿وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ... ﴾

المنافقون يقولون هذا الباطل لكفرهم بالدار الآخرة وكفرهم بالرسالة، ومرضى القلوب يقولون ما يقولون بسبب ضعف إرادتهم وقلة صبرهم وريب يقينهم، ولكن القول واحد، ويجتمعون من صعيد واحد، في مؤتمرات واحدة، الكفرة والزنادقة لأنهم يبغضون دين الله، والمنافقون لأنهم لا يتحملون تبعة المجاهدين في سبيل الله، فيسوق الزنادقة والكفرة هؤلاء الضعاف للتبرؤ من الجهاد والمجاهدين، ويلبسون كلماتهم ثوب الشرع والمصلحة الدينية، وهم يحلفون أنهم يريدون الإحسان والتوفيق ومصلحة الإسلام والمسلمين، ولا يعجبون من أنفسهم قط أنهم مع أعداء الله ومبغضي دينه في صعيد واحد، ويخرجون معهم نفس الكلمات، ويوقعون جميعاً على بيان وضلال واحد.

﴿وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً﴾

لقد جاء الوعد من رحم البلاء، إذ قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال من وعود النصر وهم يحفرون الخندق، ولما جاءه اليقين أن قريظة قد نقضوا العهود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين بفتح من الله ونصره" وهو وعد قائم لا يزول لأن الله سبحانه وتعالى لا يخلف وعده، وهذا الوعد هو حادي ركب المؤمنين دوماً، ينشط فيهم الإرادات، ويبعث فيهم الأمل، ويبرق في نفوسهم النور كلما ادلهمت الظلمة وألقت المحن بكلكلها على المؤمنين، فينبعثون زرافات ووحداناً غير آبهين بالشيطان وجنده ودعايتهم أنهم لا يغلبون، بل هم يؤمنون بوعد الله أن الكفر لا روح له، وأن القرى العظيمة مهما كبرت وتعالت فإن مصيرها إلى زوال بأيدي المؤمنين.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٠٦