هؤلاء أصحاب إرادات ميتة، ألفوا الهوان، وربما تجد بعضهم قد خاض تجربة من التجارب ووقع له فيها امتحان وابتلاء ثمّ منّ الله تعالى عليهم بالفرج والنصر فبدل أن يعلم ويرى كيف نصره الله وأيده فيعيد الكرة كرات يذهب ويتوب من أن يعيدها مرة أخرى، ويقول: تلك نجوت منها فما أدري كيف ستكون الثانية.
ومن جهالات وضلالات هذا الصنف من المرضى (لا أقول المنافقون) أنهم يظهرون أنفسهم أصحاب تجربة سابقة، أي تجربة الإنتكاس والهروب، فيجلسون ويعظون الناس إياكم وهذا الطريق، ويصرخون: لقد جربناه فما نالنا فيه إلا الأذى والمكاره والصعاب والآلام.
إن بعضهم يفعل ذلك تبريراً لنفسه للخور الذي أصابه في المحنة حين يطلب من الطاغوت أن يسامحه وأن يرضى عنه، وهو الذي كان قبل ذلك يملأ الأرض بكلمات الحق في وجه الطاغوت.
كان الأولى بهؤلاء أن لا يعيبوا هذا الطريق، لأنه هكذا منذ بعث الله الأنبياء يدعون أقوامهم إلى دين الله ومفارقة الشرك والجاهلية، طريق ألم ومشقة وابتلاء، إذ كان ممن كان قبلنا يؤخذ فيشطر شطرين أو يمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، وكان من أهل هذا الطريق من ألقي في النار، كان الأولى بهؤلاء أن لا يعيبوا هذا الطريق بل كان لهم سعة من الأمر وهو أن يعتزلوا هذا الطريق بصمت ودون تبرير للضعف، فيسكتون، وينكرون الباطل بقلوبهم، وهذا أمر فيه سعة لهم، وهو من درجات الإيمان التي قبلها الله تعالى من عباده، أما أن ينقلب هؤلاء المرضى على أعقابهم فيصبح المجاهدون في سبيل الله مجرمين وطواغيت الأرض مؤمنون فيهم غلط، فهذا ما لا يقبله الله منهم.
هذا الطريق لن تنتهي محنه بمحنة بواحدة أتت فجاءت عاقبتها خيراً، بل ستمتد معه المحن، وكلما ارتقى المرء فيه كلما اشتدت عليه أنواع المحن العلمية والعملية لتناسب المقام الذي يرقى إليه.
ليتفكر أهل هذا الطريق النبوي بالعاقبة، وأنها خير للإسلام والمسلمين، فلو صبر مرضى القلوب كما صبر المؤمنون في الأحزاب شهراً فقط لما قالوا هذه الكلمات الكافرة.
في مرات كثيرة يكون الفجر قد اقترب وحان وقته، فيربط الله فيها على قلوب المؤمنين وهم يقلبون وجوههم في السماء وعيونهم دامعة تستمطر الرحمات الإلهية، وأما مرضى القلوب فيصرخون جهلاً بأنهم لن يعيدوا الكرة، ويذهبون لغير الله طلباً للسلامة وطلب الفرج غير متوكلين على الله سبحانه وتعالى. ولو صبروا للحظات لجاءهم النصر والفرج وهم سجود بين يديه، صابرين، آملين الفرج من الله وحده.
هذه هي علة مرضى القلوب:- قلة الصبر وضَعْف اليقين، ويتقوى الصبر بقوله تعالى: ((قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)) ويتقوى بأن ما عند الله لا يؤخذ بمعصيته، فلا يذل المرء دينه من أجل السلامة لأن الله إن كتب لك السلامة فستأتيك لا يردها راد، وإن منعك الله إياها فلن يأتيك بها أحد ((ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده)).