تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن هؤلاء المنافقين وأتباعهم من مرضى النفوس من محبي الدنيا وكارهي الموت لا يلتحقون بالمجاهدين بسبب نقص حجة المجاهدين، ولا بسبب غلط المجاهدين في باب من الأبواب، بل لأن الجهاد في زماننا آتون نار محرقة، من آمن به سيبتلى وسيزلزل في ماله وأهله ومصدر رزقه، وإن أقل ما يلاقيه هو السجن، وأحب ما يلقاه هو الشهادة في سبيل الله تعالى.

دعوكم من هؤلاء واتركوهم يراقبون على الشواطئ ومقاعد المشاهدين، وإن دافعوا عن أنفسهم بسبكم وشتمكم فامتثلوا لأمر الله وأعرضوا عن الجاهلين.

عيشوا أيها المجاهدون مع ذروة سنام الإسلام، ودعوا الراضين بالهوان يعيشون بين الحفر.

﴿وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً﴾

أما المنافقون فالكفر في قلوبهم مكين ثابت، فما شأن مرضى القلوب؟.

لقد وعد الله عباده المؤمنين وعوداً في كتابه العزيز، ورتب هذه الوعود مع أعمال المؤمنين، فقد وعدهم بإجابة الدعاء إن دعوه مخلصين له الدين، ووعدهم بطيب العيش وسعادته إن أطاعوه وامتثلوا أمره، ووعد القرى المؤمنة بفتح خزائن السماء والأرض لهم إن آمنوا واتقوا، في وعود كثيرة وبين فعل المؤمن وحصول الوعد ووقوعه زمن ممتليء، يسعى فيه المؤمن في جهد ومشقة، وهو أشبه بمن يسير في نفق مظلم يتعثر فيه ويعاني ويتألم، وهو مؤمن أن في النهاية نوراً يذهب هذه الظلمة، ويقينه جاء من وعد الله تعالى إذ قال:- "إن مع العسر يسراً"، وهو كلما اشتدت عليه محن الطريق وآلامها علم أن المخاض قريب والفرج حان وقته، وهذا شأنه مع كل محنة، فإن انقضاء محنة من المحن لا يعني أبداً أن لا يأتي غيرها، ومرض القلوب ههنا هو قلة اليقين على وعد الله تعالى القدري وعلى شرعه، فهو لا يرى في تطبيق الشرع إلا المشقة ولا يرى النور، ومع أنه يرى في سور متعددة كيف تنفرج الغمرات بفضل الله ورحمته، ولكن انتكاسة قلبه تمنعه من التبصر والإعتبار، واستغراقه في حاله وقت المحنة تغلق عليه أبواب البشارات الإلهية بالفرج وانقشاع الغمة، وهذا من أشد أمراض القلوب التي تعتري طريق العاملين لدين الله تعالى، فهو ربما يعلم أن العاقبة خير لكنه يعلم كذلك من نفسه أنها لا تثبت وقت المحن وتتمنى أنها لو لم تسلك هذا الطريق.

هؤلاء المرضى لا يصلحهم الآيات الكونية المتعددة التي يرونها لأن الآيات الكونية لم تكن يوماً طريقاً لإيمان المريض والكافر، وهذا مقرر في كتاب الله تعالى في مواطن عدة كما قال تعالى في سورة الأنبياء:- ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون؟! وفي الكهف قال تعالى: ((وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلاً)) لأن هؤلاء يحبون الراحة والدعة ولا ينظرون إلى العواقب، وهذا مرضهم، ولذلك هم يرفضون الغمرات مع علمهم بما يأتي من الخيرات لأنهم أهل خوف وجبن.

هذا المرض وهو ضعف اليقين على وعد الله بحسن العاقبة، والخوف من الغمرات وعدم تحمل الصعاب وهو ما يخرج هذه الكلمات ((ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً))، ولذلك سترى أنه بعد انقشاع غمة الأحزاب ونصر الله للمؤمنين ووراثتهم أرض وأموال بني قريظة بقي هؤلاء على حالهم من المرض والضعف كما قصّ الله علينا أمرهم في سورة براءة في غزوة تبوك.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٠٤