لقد وقع الإمتحان والإبتلاء، وبه تم فضح المنافقين، فأخرجوا ما في صدورهم من الكفر والمرض، ذلك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد أصحابه بفتح فارس والروم، وغنيمة أموالهما وانفاقها في سبيل الله، فلما جاءت الأحزاب وحصل من البلاء ما حصل ذهبوا يستهزؤون بالوعود النبوية ويشككون فيها وقالوا:- لقد وعدنا باطلاً، وغرنا هذا الباطل فأوصلنا لهذا الحال من الشدة والبلاء وارتقاب الفناء.
لقد كانت غزوة الاحزاب في السنة الخامسة للهجرة النبوية الشريفة، وقد رأى الناس، كل الناس، نصر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في بدر، في معجزة من معجزات الحروب التي لم يألفها العرب وذلك في السنة الثانية للهجرة، ورأوا تأييد الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في حمراء الأسد في السنة الثالثة للهجرة، ورأوا نصر الله لرسوله في بني قينقاع بعد بدر في نفس عامها، ورأوا نصر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في غزوة دومة الجندل في السنة الخامسة، إذ تفرق فيها المشركون خوفاً من جند المسلمين وغنموا فيها إبلاً، ورأوا نصر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في غزوة المريسيع ضد بني المصطلق سنة خمس للهجرة، وقيل بعد الأحزاب في السنة السادسة للهجرة وقواه كثيرون، كلها غزوات مظفرة قد أدت مقاصدها، وكلها تظهر فيها دلائل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وصحة طريق الجهاد الذي دعا إليه وكان شريعته، ومع كل هذا فإن أول ما تطل المحن والإبتلاءات حتى يقول المنافقون هذه الأقوال المرجفة الجبانة الضالة، فماذا سيقنع هؤلاء المرضى وأسيادهم المنافقون؟!
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، وهو من هو في كل جوانب الحق قولاً وسمتاً وهدياً، ومع ذلك كان النفاق حاضراً، مرضى النفوس يتأثرون ويتابعونهم، ولا يتابعون وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا هديه، وهذا يعلِّم المجاهدين في كل وقت أن لا يلقوا سمعاً للمخالفين، ويجب أن لا يحزنهم ما يقولون ولا ما يفعلون، فوالله الذي لا إله إلا هو لو سارت البحار بين أيدي المجاهدين اليوم جنوداً، ولو أظلتهم الغمام في سيرهم ومقيلهم، ولو نطقت الحجارة بخطب تؤيدهم وتشجعهم لبقي كارهو الموت ومحبو الحياة في مواطنهم التي تبغض الجهاد وتكره أهله، وسبب ذلك أمر وحيد أن الجهاد بلاء ومحن، وأن فيه الزلازل والقروح، فهذه علة الرفض والكراهة لا غير، وأنهم وإن ساروا معك يوماً لغنيمة متيقنة لأعرضوا عنك في محنة محتملة، ومثل هؤلاء لا يأتون في أول الطريق ولا وسطه، ولكنهم سيأتون حين تقتسم الغنائم وسيخطبون يومهم على المنابر غير خجلين مما كان منهم، يقول الله في هؤلاء ((وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة، قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً، ولئن أصابهم فضل من الله ليقولنّ كأن لم تكن بينكم وبينهم مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً)).
وإنهم اليوم والله قد قالها مرضى النفوس حين وقع البلاء ببعض المجاهدين: ((قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً)) ووالله إني لسمعتها من تلاميذهم وهم يرددون كلام شيوخهم وهم يقولون:- ماذا سيكون حالهم لو لحقوا بكم لهذه المواطن؟! أتريدون لهم الموت كما وقع لفلان وفلان.
أما المؤمنون فوالله إنهم ليقولون حين تفوتهم الشهادة مع الأخيار: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً. ليحذر المجاهدون من هؤلاء وقت الغنائم بالتمكين والعزة وليقولوا لهم يومها:- "لقد رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين" وقولوا لهم:-)) قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل، فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلاً)).