ثمّ متى جاز للمسلم العالم أن يجعل شرط العمل الشرعي أن يرضى عنه أصدقاؤه المفكرون الكفرة؟! فهل هذا من التجديد في أصول الفقه الذي يدعو إليه بعضهم اليوم؟! هكذا يريد هؤلاء إيقاف الجهاد وفناء المجاهدين لأنهم يسيؤون لسمعة الإسلام عند الكافرين، أما دين الله الحق ومقدرات الأمة وقضايا المسلمين فهذه يمكن أن تتحقق بحوار موائد الطعام بين المثقفين.
صدق الله تعالى ((والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون))، هؤلاء هم؛ وأما غيرهم من العقلاء والهداة فقد قال عنهم ((إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)) وارع سمعك لقوله ((وانتصروا من بعد ما ظلموا)) تفقه على الله لتعلم من هم هؤلاء اليوم.
﴿هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً﴾
هذا حال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم في المدينة، أي بعد أن أقام دولة الإسلام، ومثل هذا الوصف لم يكن قبل في زمن الدعوة والكلمة، وإنما جاء بعد أن حمل المسلمون السلاح وجاهدوا قريش ومن وراءها، وهذا يصلح حجة للمتقاعسين وكارهي الجهاد وأصحاب مناهج الباطل والبدعة، لأن زمن الدعوة والكلمة كان أقسى ما يلاقيه المرء أن يرمونه بالحجارة والقاذورات، ويسبونه بالكلمات، وأما إن حمل السلاح وقاتل فالأمر مختلف، إذ أن الإبتلاء حينها هو ابتلاء أرواح تفنى وتزهق، ومادة المدافعة هي الأسلحة والدبابات والمدافع والصواريخ، وهؤلاء سيقولون: كلمة الحكمة أسلم وأجمل وفيها حسن عاقبة في الدنيا.
ولكن شتان بين مراد الله ومرادهم، فإن مراد الله من هذا الدين وأهله أن يرثوا الأرض، وأن يمكّن لهم فيها وهذا لا يكون إلا بالجهاد، ولذلك جعل الله تعالى مقدمة التمكين هو إذنه بالجهاد في سبيل الله تعالى كما في سورة الحج، فقوله تعالى ((أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير)) كان بعدها ((الذين إن مكناهم في الأرض)) فلا تمكين إلا بجهاد، ولا جهاد إلا بابتلاء ومحن وزلازل.
بعضهم يقولون: لا تستفزوا الكفر بالجهاد، فإن صار له نوع تمكين قال:- لا تستفزوا الكفر بإخلاصكم: أن الحكم لله وحده، هذا مع أن الكفر يعيث في الأرض فساداً، ويهلك الحرث والنسل، وهم يدفعون أثماناً من القتل والسجن بلا عاقبة.
إنْ ترك المسلمون الجهاد وتركوا الحكم بما أنزل الله تعالى فماذا بقي لهم من دينهم الذي رضي الله لهم؟! نحن حين نفهم على الله ونطيعه بالجهاد، ونحض الناس عليه نفهم كذلك أنهم سيبتلون البلاء الشديد، وسيزلزلون في مواقع عدة، ومواقف كثيرة، ونعلم أن الموت في سبيل الله ينتظرهم، ولكن نعلم أن العاقبة للمتقين كذلك.
هذه مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقيمت رغم أنف الكفر، ولم تأخذ إذناً من أحد، ولذلك حصل لها ما حصل، ولكنها كانت كذلك مدينة أكلت كل المدن، فيها رجال ورثوا الأرض وملؤوا العالم هداية ونوراً.
﴿وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً﴾