في هذه الآية –إذ جاؤوكم ... - زخم وصفي دافق، ليس فيه فراغ ولا هوامش، بل امتلاء بالحركة التي تملأ ساحة معركة لجيش لجب يضرب حصاره ويطبق بفكيه على فئة تعتصم بظنها الحسن بربها، ويمتلئ الوصف بأمواج باطنية تجتاح النفوس كالجبال الشاهقة، فهو لجب خارجي ولجب داخلي، ولو فككت هذا الزخم إلى أفراده ومساحته ومسرح أحداثه لوقفت على مجرد الشواطئ فيه، لأن المشاعر تدرك معانيها عقلاً فقط من خلال البيان، ولذلك كان الخطاب في هذه الآية إلى من عاش الوقائع أحاسيس ومشاعر ومشاركة، فهو أدرى بقيمة هذا الوصف الدافق المليء السابغ، وهؤلاء هم أقرب الناس لإدراك قيمة كلمة النعمة التي تقدمت في الآية السابقة ((يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم)).
هذا الوصف الجامع للحركة الأرضية والحركة الباطنية، حركة الجموع على الأرض وحركة دواخل النفوس هو ما يميز كتاب الله تعالى، وفي هذه الآية سكت القرآن عن نفسية المشركين ولم يأت على ذكرها، لأنهم غير مقصودين بالخطاب، بل المقصود هو بيان نعمة الله تعالى على المؤمنين، ولذلك سنرى في الآيات التالية حديثاً خالصاً عن المدينة النبوية، إذ يفيض في بيان مواقف أهلها من الفريقين؛ مؤمنين ومنافقين، وأما الأحزاب فيكفي وصف حركة جموعهم، وقد رأينا كيف قدم الله وصف مجيء اليهود –من فوقكم- على وصف الأحزاب –ومن أسفل منكم- لأن خيانة بني قريظة للعهود والمواثيق مع النبي صلى الله عليه وسلم كانت أشد إيلاماً ووقعاً على نفوس المؤمنين.
﴿هناك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً﴾
في هذا الظرف الشديد حيث هطل عليهم الهول من كل الجوانب، وأطبقت كل المنافذ بالحراب التي تحمل الموت والعذاب، والظنون تذهب وتأتي؛ هل هي النهاية؟ أم ماذا سيكون؟ فإن كانت النجاة، فكيف سيكون سبيلها؟ وفي كل لحظة يزداد ضغط النفوس وخفقان القلوب.
إنه البلاء والمحنة؛ وهي قرائن الإيمان، ليس الإيمان الصامت الخفي الذي يسره صاحبه دون أن يحمله واقعاً ضد الكفر، وليس الإيمان الذي يقبل المجاورة للباطل ليكون لوناً مجملاً لواقع الجاهلية التي تحسن في بعض حيلها هضم هذا النوع الساكن سكون من لا وجود له، فهذا النوع من الإيمان (إن كان) ليس له كرامة الإبتلاء، وإن كان كذلك فليس له حق الوراثة في الأرض ولا الشهادة على الخلق.
الشهادة على الخلق التي يسعى إليها البعض ليست حواراً "أكاديمياً" يجريه هؤلاء مع قوم يتلذذون في المعارف تلذذ الطعام والحفلات ومشاهدة المسرح، ولا يفهمونها "ديناً" يلزم القلب والعقل والسلوك، فهمهم أن يملؤوا المصطلحات الجديدة بكلمات إسلامية كبيرة لا تحرك مسلماً لجهاد، ولا متصدق لصدقة ولا تارك صلاة للصلاة، ثم يزعمون أن هذا هو أعلى معاني الشهادة على الخلق.
هذه الشهادة إن كانت كذلك فهي شهادة باردة لا تغير قلباً ولا سلوكاً ولا دولة بله أن يقال إنها شهادة حضارية، فالحضارة ليست كلمات الفلاسفة، ولم تكن يوماً كذلك، بل الحضارة هي القيم العملية في بناء الإنسان، لا واحداً بل الأمة، والتي لا تكون أمة إلا بكيان واقعي ممكن له سلطان قاهر.