تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد نشأت دولة التوحيد في نجد بقيادة محمد بن عبد الوهاب في بيئة مغلقة سياسياً واجتماعياً وحين اخترقت هذا الإغلاق ذهبت وانتهى أمرها وقضى عليها إبراهيم باشا بن محمد علي الالباني حاكم مصر، ولكن في خضم هذا الوعي يجب على طوائف الجهاد أن تتجاوز رؤيتها الضيّقة بأنها مؤسسة هي التي بدأت الطريق وهي التي تجب أن ترث آثاره، لأن هذا المعنى يلغي عالميتها، فهي قد ترث بنفسها، وقد يأخذ كل إرثها طائفة بغير اسمها وبغير قيادتها لكنها على طريقتها في أماكن أخرى من الأرض، تكون هذه ثمرة من ثمار جهادها، واهتدت بنورها، وتحقق لها الظرف السنني الذي يحقق لها الإرث في هذا المكان من العالم.

ومما يجب العلم به لهذه الطوائف المجاهدة أن بركتها على المسلمين عامة، ولذلك فمجرد وجودهم وبقائهم يحقق الخير لكل المسلمين وشرح ذلك يطول، ولكن يكفي أن يعلموا أنهم خط الدفاع الأول عن المسلمين، فبقاؤهم يعني بقاء من وراءهم في أمان في أعمال الإسلام التي يمارسونها لانشغال الكفر بهم، ولو انهار هذا الخط يعني تفرغ الكفر لمن وراءهم من أصحاب الإختيارات الضعيفة عن ذروة سنام الإسلام، ولقد انهارت الدولة المسلمة في نجد ولكن كان لها آثارها العظيمة على قطاع كبير من المسلمين علماً وعملاً.

هذا كله مع الوعي أن الإسلام اليوم لا ينحصر في مكان تجري عليه كل الحلقات القدرية من أولها إلى آخرها، بل إننا نعلم أنّه يمكن أن تتحقق خطوة في مكان وعلى يد طائفة، ثم ترث أرباح هذه الطائفة طائفة أخرى في مكان آخر، وهكذا تتراكم الإنتصارات متجاوزة المكان الواحد والطائفة الواحدة، ولكن لن تنتهي حلقات المدافعة بين الإسلام والكفر، لبقاء عوامل الإغراء القدري والإستنزاف الإيماني في أمة الإسلام، وهذا قد شرحته في كتاب "لماذا انتصرنا؟ " أرجو من الله أن ييسر نشره برحمته.

إيمان المسلم بدوام الجهاد مع كل الظروف يعني كفره بعقيدة نهاية التاريخ التي تضاد القرآن من كل وجه، فسنة التدافع تعني بقاء عوامل الصعود في الأمة الحية، وعوامل الهلكة في الأمم المتمكنة، حتى تأتي الساعة، وأما قبلها وقبل ظهور أشراطها فإن سنن فناء الأمم أقوى ظهوراً من سنن سقوط الأبنية.

﴿وتظنون بالله الظنون﴾

لقد وصف الله الحالة النفسية للجموع في داخل المدينة في ما تقدم، وهنا وصف الحالة العلمية عند وقوع هذا الإبتلاء، فالمؤمنون علموا هذا الطريق علماً وعملاً، وشهدوا محن سابقة كانت فيها العاقبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولذلك فهم يظنون بالله أحسن الظن، وهو الذي يليق بربنا سبحانه وتعالى، وأما المنافقون فقد ظنوا بالله شراً، والله سبحانه وتعالى عند ظن العبد به إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وهذا من أعظم أعمال القلوب، ولا يكون إلا في المحن والشدائد، مثله مثل الصبر لا يكون إلا بالإبتلاء، وهذا يعرف المؤمنين أن هناك أعمالاً إيمانية لا تكون إلا بالإبتلاء والإمتحان، فلا يدركها إلا أهلها.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٩٩