عليه وسلم ولا ميدينته ولا ما يجري في داخل الجزيرة العربية في الحجاز، ولذلك لما خرج الصحابة لأول لقاء مع حرس حدود الروم كان الوضع في المدينة ثابت، والمحيط التي تعيشه مؤمن بالصلح مع زعيم القبائل قريش في مكة، ومع ذلك فإن هذا اللقاء لم يحقق هدفه وذلك في غزوة مؤتة كما هو معلوم.
ولكن يمكن أن يستعاض عن هذا الوضع بنشوء حركات الجهاد في أماكن بعيدة عن المركز "أي سيطرة الكفر المباشر والمهم"، وهذا ما يحصل بفضل الله تعالى، فإن اهتمام جماعات البدعة في تحقيق وجودها وقبولها في المراكز لاهتمامها بخيالات وأوهام النصر الرقمية وغير الحقيقية، يقابله نشوء جماعات الجهاد في أماكن بعيدة عن هذه المراكز، والعصية على الإفناء والإزالة بفضل الله تعالى.
هناك مشهد خادع لبعض المتأملين، وفيه صورتان، صورة الجهاد الموضعي الذي يسمونه بالوطني، وهو جهاد يدافع عن نفسه من خلال الشرعية الجاهلية في حواره مع الآخر، ويكسب الأتباع الكثيرين من خلال خطاب الله تعالى وخطاب الشرع الإسلامي لأن المسلمين هم عمدته وقواعده، وهذا جهاد لحركات تبني نفسها من خلال المؤسسات الظاهرة المقبولة بصورة من الصور، والصورة الأخرى لجهاد يؤسس نفسه من خلال الخطاب الشرعي، وغير مقبول إلا من خلال الخُلَّص في فهمهم ووعيهم، وهو يصد الكفر خارجياً وداخلياً، ويرفض أن يضع نفسه رقماً في أي حساب من فرق الكفر المتنازعة والمتعدة، وهذا النوع يضطر أن يعيش بعيداً عن المؤسسات الظاهرة، والتي تحقق بعض المكاسب الإنسانية والقبول الإجتماعي، وهو يأوي مضطراً إلى أماكن بعيدة عن المركز لا تغري المفتونين بالعمل الجماهري العريض، ولا بالذين يأملون أن يكون التغيير من خلال حراك جماهيري تصنعه الدروس والكتب المثقفة للوعي العام.
هذا الإختيار القدري الملازم لعمل الإسلام وهو الجهاد، ولعقيدة الإسلام بوجوب البراءة من المشركين وتوحيد الله في الحكم والقضاء، يوجب تكاليف شديدة أقلها هو الشهادة أو السجن ولكن أكثرها عذاباً هو الصراع النفسي المرافق للقلة الممتحنة وهي تسير متوازية مع قطيع كبير في الطرف الأخر من الصورة السابقة.
لقد خلق الإنسان اجتماعياً بالطبع كما يقولون، والفرادة مرهقة جداً، ولها تكاليف شديدة، ولكن من يسلك طريق القرآن ويتأمله في ليله ونهاره، ويستحضر ذكر الدار الآخرة في كل نفس يتنفسه سيعان حتى يبلغ الشهادة بإذن الله تعالى.
ومن أعظم محن هذا الطريق كذلك أن تفتح له سبل نحو التحاق الجماهير به في ظرف تضعف فيه سطوة المراكز على مكان من الأمكنة، فما يلبث المركز أن يعيد اهتمامه بهذا المكان، فتقع المحنة على المجموع فيكون التمايز من خلال غزوة أحزاب شديدة، فيظهر حينها حقيقة هذا النمو، هل هو نمو سرطاني غير حميد أم هو طبيعي يتلاءم مع ظرفه وحقيقته.
هذا التراجع إن كان النمو غير حميد يرهق هذا الإختيار وأهله، ولكن حين يتذكر أهل هذا الطريق أن خطوة صغيرة حقيقية خير من ألف خطوة وهمية حينها يتجاوزون هذا الألم ويثبتون على الطريق.