تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا هو واقع دولة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنها عاشت الجهاد منذ قيامها لا ينفك عنها، والمرء لا ينبغي له أن يتساءل هل هي اختارت هذا الطريق أم فرض عليها، لأن هذا السؤال إنما ينشأ في عقل من يتصور أن الإنسان سمكة، أو يتصور السمكة إنساناً، فيتساءل هل تنفس السمكة في الماء اختياراً أم اضطراراً، ولذلك فارتباط الجهاد مع الإسلام هو ارتباط قدري، وهو بيئته التي يحيا بها، وهو فضاؤه الذي يعيش فيه، وأي محاولة لإخراجه من هذه البيئة وهذا الفضاء يعني موت الإسلام.

هناك من يخاف على الإسلام من هذا الحِمْل العظيم وهذه التكاليف الشديدة، "هذا إن أحسنا الظن بهم فإن بعضهم يريد إرضاء الله وإرضاء الشيطان معاً، ويريد الجنة بلا ابتلاء ولا محن"، فيقال لهؤلاء الذين يخافون على الإسلام:-

إن الخوف على الإسلام إنما يكون من البدع والضلالات، فإن الأديان الربانية إنما بادت وذهبت حين غيرها أهلها ومسخوها عن حقائقها كما نرى في اليهودية والنصرانية، وإن أخطر ما واجهه الإسلام هو الأئمة المضلين كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما الأعداء فلم يكونوا يوماً إلا مصدر قوة للأنبياء وأتباعهم كما قال الله تعالى في سورة الفرقان ((وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين وكفى بربك هادياً ونصيراً)) فبوجود الأعداء تتحقق الهداية؛ لأن الأشياء تعرف بضدها، وبوجودهم يتحقق النصر، لأن النصر لا يكون إلا بعد منازعة، وهذا يثبته التاريخ فإن وجود الأعداء للإسلام هو عامل نهضة وإحياء لما يترتب عليه من الجهاد والعلم والطاعات.

﴿إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر﴾

تأمل هذا الواقع الذي عاشته المدينة حين كانت المحنة التي يمكن لو وقعت أن تزول المدينة بكاملها، وتفكر فيها كمقدمة لخطوة خطتها نحو هدف جديد هو عاقبتها من طرد اليهود – بني قريظة- منها، تعلم أنه لا يمكن أن تسير أمة الإسلام خطوة نحو هدف من أهدافها إلا بعد محن وعقبات تثبت فيها استحقاقها للنصر وتحقيق هذه الخطوة، ثم تنعم بهذا الإبتلاء الجماعي الشامل لكل المدينة وأهلها؛ رجالاً ونساءً وأطفالاً، لتعلم أن المشاريع الجماعية لأمة الإسلام لا تنال بغداء فردي، فالهبات العامة تحتاج إلى محن عامة، فلا يساق الناس جماعات لغنائم ووراثة سلاطين وممالك وهم يهزجون اهازيج الفرح والسرور، بل لا تبلغ هذه الجماعات إلى خطوة من الخطوات إلا بغمرات تجتاحها فتتجاوزها بالصبر والثبات.

كل المناهج غير الجهادية، وكل المناهج الجهادية المحلية لتحقيق أهداف يسمونها بالوطنية هي مناطق ظلال، لا النور أدركته ولا الظلمة أفلتت منها، ولكن وحدها اليوم جماعات وطوائف الجهاد التي صدمت الجاهلية هي التي تسير إلى أهداف الإسلام، وهو سير لا تظهر آثاره في بداياته لأن الحال شديد، والظلمة ساجية، فالخطوات قصيرة ولكنها حقيقية، لأنها لا تأخذها منة منّة الجاهلية، ولا حسنة مرضي عنْهم بها، بل تؤخذ بالدم والعرق والخوف والحصار والقروح تلو القروح، ثم إن هناك ما نفقده اليوم هو عامل مساعد للوضع الأول في نشوء مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عامل اليوم ضد المجاهدين وهو البيئة المغلقة، فقد بنى النبي صلى الله عليه وسلم مدينته وثبت اركانها وقوى الكفر الكبرى من فارس والروم لا نعلم شيئاً عنها كما ثبت ذلك من قصة أبي سفيان مع هرقل الروم في بيت المقدس، وذلك بعد صلح الحديبية، وإرسال رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة الدعوة لهرقل، فإن هرقل لم يكن يعلم شيئاً بأمر النبي صلى الله

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٩٧