تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

محنة الإسلام على مستويات عدة، فالمسلم قد يمتحن في أصل سلامته، ففي مجتمع شركي مغلق يكون إسلام المرء ودعوة قومه للإسلام كافياً لحصول النزاع والمحنة بينه وبين قومه، وقولنا ((مجرد إسلامه)) يعني أن يهجر دينهم فلا يشاركهم في شيء من أعمالهم الشركية والكفرية، وقولنا ((ودعوة قومه للإسلام)) يعني أن يبين ضلال دينهم وفساده وحسن دين الإسلام وصوابه.

هذه القضية الأولى بنفسها غير مقبولة من المجتمعات الجاهلية، وكل قوانين الجاهلية المعاصرة والقديمة تجرِّم وتحارب هذه الممارسات الإيمانية، ولذلك فالدعوة إلى ذوبان المسلمين في مجتمعات الجاهلية معناها ان يتخلى المسلم عن أصل دينه لا عن عمل من أعمال الإسلام، لأن قبول المسلم بهذا الشرط يعني أنه قبل مظلة الجاهلية حاكمة لقيمه واختياراته، وهذا مضاد للإسلام مضادة تقضي على أصل الإسلام.

هذا المستوى الفردي الخاص بكل مسلم هو عينه ما يجري على الدولة المسلمة، والجماعة المسلمة، فإن إيمان هذه الدولة بالإسلام وقيمه تعني خروجاً تاماً عن قيم الجاهلية ومظلتها، ودولة الإسلام دولة دعوة وجهاد لا يشك في هذا أحد شمَّ رائحة الإسلام، والكفر لا يرضى أبداً بهذان فإنه حين يقبل بوجود دولة "مسلمة" إنما يقبل بها إن كانت تحت مظلته وقيمه، وأي خروج لها عن هذا الخط يعني أنها دولة معادية محاربة يجب إزالتها.

ما يدعو له البعض من مسلم مواطن، أي مسلم "يحترم" ويقبل الخضوع لقيم ونظام الدولة الشركية الجاهلية معناه بكل وضوح هو أن يتخلى المسلم عن إسلامه، ومثلهم من يدعو إلى دولة مسلمة ضمن الشرعية الدولية، يعني أن تتخلى هذه الدولة عن إسلامها.

يجب على المسلمين جميعاً أفراداً وجماعات أن المدافعة هي بين منهجين لا يجتمعان كعدم اجتماع النور والظلام، والله مدح المؤمنين بقوله ((الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور)) وهؤلاء يريدون أن يكون المسلم في بعض النور في الظلمات.

إن الإسلام لا تتحقق أهدافه ولا يكون رحمة للعالمين وهو يخضع لقيم إبليس وجنوده، وإنما تتحقق رحمته على أهله أصالة وعلى غيرهم تبعاً إن تمايز بوجوده كما هو متميز بقيمه، وحين يفهم المسلم هذا يعلم يقيناً أن الجهاد هو قدر هذا الدين، وأن المدافعة صفة لازمة له، فإننا لا يمكن أن نتصور إسلاماً بلا خضوع لحكم الله تعالى، ولا يمكن أن نتصور إسلاماً فيه القبول بحكم الكفر والشرك، وهذا هو عين ما تقوله الجاهلية وقادتها من الشياطين، فهم لا يقبلون "مواطناً" غير خاضع لحكمهم، وكذلك لا يقبلون ولا ء مسلم لغير "دولتهم"، فلابدّ إذاً قدراً من المواجهة والمدافعة.

هذه هي طبائع الدول والممالك، ومن تبصر بهذا علم أن المسلم لا يمكن أن يكون مجاهداً أو معتزلاً لكل تلك الفرق، وعلم أن دولة الإسلام لا يمكن إلا أن تكون مجاهدة، وكذلك لا يمكن أن تقوم إلا على الجهاد كذلك.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٩٦