وأما القلوب فقد اضطربت حتى زالت عن اماكنها فبلغت الحناجر، خفقاناً مؤلماً يطوح بها بشدة وقوة.
كل هذا بسبب الخوف القادم، والموت المترقب، وألم العجز عن المواجهة.
لقد وصفت العيون التي تبصر والقلوب التي تعقل، فتعطل ما في الإنسان من ملكات هي الهادية له ظاهراً وباطناً واختل ميزانها في الأبصار والتعقل.
هذه محنة المدينة المؤمنة حين تنشأ لتبقى وتقوى وترث، فهي شجرة تنمو كل عقلة فيها بالثمن الذي يرتقبها ويهيّأ لها من الله تعالى.
إن الوارثين للإسلام من بعد جيل الصحابة توجب عليهم هذه الآيات وأمثالها مما قصّه القرآن عن المحن التي عاشوها أن يعلموا بيئة هذا القرآن وبيئة هذا الدين وأجواءه التي ينتعش فيها، وينمو من خلالها ويعطي ثماره الوارفة، فهذا القرآن لا تنمو معارفه ولا يؤتي ثماره في فضاءات الدعة الخاملة، ولا يرث أهله الأرض من خلال سلوك سبل الأمان الموهوب من الخصوم ثمن التنازلات التي يؤديها أهل هذا الدين.
إن هذا القرآن نزل بحزن، وقرئ في محنة، وأعطى ثماره في الغمرات الكبار، فأهله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخرجون من صدمة إلا إلى أخرى، ولا يكاد يفلتون من محنة إلا جاءتهم ما هي أكبر منها، ففي أحد رأو الموت (فقد رأيتموه وأنتم تنظرون)، وههنا تزيغ الأبصار وتبلغ القلوب الحناجر، وبين هذه الغزوة وأحد كانت غزوة ذات الرقاع التي تساقطت أظافر أرجلهم من شدة ما لاقوا، وقبلها حادثة بئر معونة التي كانت عقب أحد باربعة أشهر فقط حيث قتل فيها سبعون من القراء بعيداً عن أهلهم، وغزوات أخرى كلها كانت بالألم والمشقة والجهد.
هذه هي سمة هذا الدين وهذه خصيصته، وبهذه السمة والخصوصية يكون الدين وارثاً، وحين يخلد المسلمون إلى السلامة المهينة حينها يقبلون أن يعيشوا مجرد رعايا تحت حكم الكفر وأهله، ويقال عنهم حينئذ: مواطنون صالحون، لأنهم في الحقيقة صاروا جزءاً ممسوخاً في داخل بناء الكفر والشرك.
الدولة المعاصرة تريد مسلمين على دينها، يقبلون سلطانها وحكمها، ويذوبون في نسيجها، وبمثل هؤلاء المسلمين تقوى هذه الدول الشركية الطاغوتية، لأنه في الحقيقة لا يصلح جامياً لهذه الدول إلا ((المسلمين الصالحين)) صلاحاً يمنعهم من إيذائها أو تعكير مزاج اهلها أو منافستها.
إن الدين الحق يلتقي مع بيئة الصحابة الأولى في الإمتحان والإبتلاء، وكلما تخلى اهله عنه وعن مبادئه كلما نعموا بالسلامة المذلة والهوان المضمخ بالشح النجس.