﴿وجنود لم تروها﴾ كانت الريح مما رأوه وأحسوه، والبرد الشديد قد أصاب الفريقين كما وصف ذلك حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وهذه الجنود الخفية التي تتسلل إلى القلوب فتقطع الصلة بين الإنسان وبينها، فتصبح ذاهبة ذهاب الهواء والريح، حينها لا يمكن للمرء إلا أن ينهار.
هذه الجنود ضربت ضربتها في الأحزاب حين أقرت في قلوب المشركين الخوف والجزع، وذهب الصبر وانباث قائد الجنود أبي سفيان.
إن الريح لا تسير إلا بأمر الله، تدفعها ملائكة الله، والجنود منها ملائكة ربانية ومنها جنود أخرى كالرعب والخوف والإضطراب.
إن المؤمن يحتاج إلى هذه الآية العظيمة وهو يرى جنود الكفر تصطف كأنها الجبال، فلا يبصر إلا ظاهرها من النعمة والتكاتف والصلابة، فتأتي هذه الآية لتبشره أن هناك جنوداً خفية تسري بين الصفوف، وتتخلل جنبات النفوس فتعمل عملها الموهن فيهم، ويبدأ الشد بين القوتين، شد داخلي وبأدوات نفسية باطنية، فثقة المؤمن أن هناك ضعف ذاتي في الباطل تديم صبره وهو يشجعها بقوله: إنما النصر صبر ساعة، فيبقى هو على ثباته ومكانه لا يتزعزع ولا يريم، وهو مع ذلك يتألم ويكظم، ويعاني ويرجو حتى يتحقق الإنهيار في الآخر، ومثل هذه المعارك تكشف أي دخن داخلي، وأي ضعف مستور، فيبين ويدفع ثمنه غالياً في نتائج هذه اللقاءات.
﴿وكان الله بما تعملون بصيراً﴾
في هذه الفاصلة بيان استحقاق العباد للنّصْر، فإن بصر الله تعالى بما يعمل الصحابة في المدينة هو الذي سبّبَ نزول النّصر عليهم، فهذه مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ورجالها هم صحابته، يجمعهم الحب وعلاقة الإيمان، وتحكمهم شريعة الرحمن، وجزر النفاق محصورة مقموعة مخذولة، تتخفى من ضعفها وحقارة شأنها.
﴿إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون﴾
هذا وصف للجنود الكافرين من قريش وغطفان الذين جاؤوا من أسفل المدينة، واليهود من بني قريظة هم من جاء من فوق المدينة، واليهود من بني قريظة مستقرون في حصونهم ولكن انضمامهم لحزب قريش وحلفائها جعلهم كإتيان قادم معهم سواء، ولذلك فقد أطبق الشر كله على المدينة وعلى المسلمين، فلا يمكن إلا الصبر والثبات، ولا ينفع انحياز ولا تدبير.
في هذه الحالة وصف الله المؤمنين، وهو وصف لإنسان يرى الموت الماحق ماثل لعينيه، يريد أن يجتثه ويجتث أهله وجماعته.
لقد زاغت الأبصار عن أماكنها، وعدلت عن مقرها، فذهبت تشخص بعيداً إلى فوق لأن ما أمامها سد رائق، فليس في الأرض أمامها منفذ تنفذ فيه، فلعل في السماء مخرج ومنفذ.