تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإنساني، ووقوع مثل هذه المشاريع لابدّ له من زمن طويل لأن سنة الله في ذلك هي الجارية وهي حاكمة على هذا الوجود وأحداثه.

إن إلغاء الزمن في قوله تعالى عن نوح عليه السلام ((فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر)) لا يحقق العبرة ولا الفائدة، بل يفسدهما ويفسد تصورات المسلم في دعوته، فلا يصبر ولا يثبت ولا يديم عمله، فإن بين دعوة نوح عليه السلام وبين الإجابة زمن استغرق فيه بناء سفينة كبيرة تتسع لما أمره الله تعالى أن يحمله فيها، وهو شخص وحيد ومعه قلة قليلة مؤمنة، هذا إن علمنا أنه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً.

إن الكلمات دالة على الفعل، والكلمات تتلى في لحظات والفعل أطول من ذلك بكثير، وفَهْم هذا يعلم المسلم الصبر والثبات وعدم الإستعجال، أما الذين يتصورون أنه بمجرد أن يرفع الرجل يديه فتنزل الملائكة لإجابة دعائه في طوره النهائي في لحظة واحدة فهؤلاء جاهلون بربهم وبسننه، ومثلهم الذين يريدون فتح مكة في أول ضربة سيف في أعدائهم.

لا يجوز للمسلم أن يتساءل وهو يعمل بطريق سنني مستجيباً لأمر الله لم هذا؟، ومتى هذا؟! فهذه أسئلة تعطل الإرادات وتقضي على الصبر القلبي وتفسد الإرادات الثابتة.

لقد حمل نوح على ذات ألواح ودسر، أي أنه ذهب إلى الغابة وقطع شجرة ثم نجرها في أيام، وصنع فرناً في أيام وأوقد فيه النيران ليصنع المسامير، وبصبر لا يتزعزع يقطع لوحاً وراء لوح ومسماراً وراء مسمار حتى اكتملت السفينة، ثم طاف في جزيرته ((وأنا أعتقد أن نوح عليه السلام كان يعيش في جزيرة تحيطها الماء من كل مكان)) يحمل من كل نوع من الحيوانات زوجين، لا بل هو كان يحمل إليها من كل نوع زوجين، ذكر وأنثى، ولا يجوز لك أن تتصور أن نوح أعلن صرخه في غابة الجزيرة للحيوانات أن تعالوا من كل نوع زوجين، لا بل هو كان يحمل إليها من كل نوع زوجين، ثم لما تم الأمر وقع النصر الإلهي.

الزمن يكون فيه فعل المؤمن لا غيابه ولا اضطرابه ولا عجزه ولا جبنه، بل فعله الصغير الدؤوب المتكرر، وهو في هذا الفعل الصبور سيمر عليه الكثيرون وهم يسخرون منه، ولكنه واثق بالله أن العاقبة للمتقين.

في هذا الزمن من غزوة الأحزاب ضل المنافقون ولم يروا ما رآه المؤمنون كما سيأتي وصف الفريقين بعد ذلك.

ثم اعلم أن الزمن ليس اختيارك، لأن اختيار الزمن وتوقيته يعني فقدان معنى الصبر والإبتلاء، وهما مقصودان للفعل من الله تعالى، ولذلك هل يطول أم يقصر؟! هذا سؤال ليس لك، هل أدرك النصر أم يكون بعدي؟ هذا سؤال كذلك ليس لك، لأن العبد ليس له اختيار مع تدبير سيده.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٩٣