النصر في هذه المواطن هو حسن العلاقة مع الله تعالى في أيام الرخاء حتى يكون ناصراً في أيام الشدة، أما الذين يعصون الله بالغفلة والإستهتار أمام الرخاء فإن الدعاء قلما ينفعهم أيام الشدة، إذ أمر الدعاء كسبب للنصر كأمر الإعداد، فإن الله تعالى قال ((ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة)).
ولهذا السبب يجب النظر إلى حال صعود الأمم وهبوطها، فإن الأمم الصاعدة قلما يؤثر فيها هزيمة عارضة، أم h الأمم الذاهبة التي نخرها الوهن فإن نصراً عارضاً لا يقيم لها شأنها بل يكون حالها كحال صحوة المريض قبل الموت كما يعرف.
لم يقع الإجتياح للمدينة لنعمة الله تعالى عليهم بالصبر والثبات، وللخور والتنازع وقلة الصبر عنْد المشركين وجندي الريح الذي سلط عليهم، وجندي البيئة والطقس مهم في علم العسكرية ولذلك يسمي الدارسون في حروب نابليون في روسيا الثلج جنرالاً، فيقولون: "جنرال الثلج" لأنه من أهم أسباب هزائم نابليون هناك، كما كان سبباً كذلك في سبب هزيمة جيوش هتلر كذلك.
فهذه أمور يجب أن تدرس في إطارها العسكري لتتم العبرة بها، كما يجب النظر إلى ما تحققه الإهتداء إليه أنه من نعمة الله التي أكرم الله بها المؤمنين، وبذلك تتحقق العبرة والحمد وهذا هو مقاصد القصة القرآنية.
﴿اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها﴾
لقد جاءت قريش مع حلفائها، وكان مجيؤهم شاملاً على المدينة كما في الآية التالية:- إذا جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم.
﴿فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها﴾
لقد كان بين مجيء الجنود المشركين وبين إرسال الريح والجنود الغيبية زمن مهم، هذا الزمن يملؤه فعل المؤمنين، وهو زمن يلغيه بعض الخطباء والمدرسين، وبهذا الإلغاء تلقى التصورات الجاهلة في نفوس السامعين، فيظنون في أحوال معينة أن حالهم لم يحصل فيه ما حصل في الحال الأول كما في القرآن الكريم.
لقد كان بين قول إبراهيم واسماعيل عليهما السلام ((ربنا وابعث فيهم رسولاً يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم)) وبين إجابة هذا الدعاء مئات السنين الطويلة، فقد استجيب الدعاء ولكن بين وقوع الدعاء واستجابته زمن ليس بالقصير، فيجب تثبيت هذا حتى لا يتوهم أحد أن الأدعية العظيمة التي تتعلق بالأمم والشعوب وكذا الأشخاص في قضاياهم العظمى تتحقق في يوم وليلة، لأن هذه الأدعية هي في حقيقتها مشاريع عظيمة وقضايا كبرى تتعلق بالتاريخ