قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراً﴾
من درس القصة القرآنية يرى توافقاً بين الأسلوب والهدف، فبناء القصة القرآنية وسياقها له ارتباط بضرورة الخطاب وأهدافه، ففي سورة البقرة في قصة بني إسرائيل مع ذبح البقرة رأينا أن هدف ذبح البقرة تأجّل إلى نهاية القصة، لأن هدف القصة هو بيان تعنت اليهود وتحايلهم في عدم امتثال الأمر الإلهي، فالمقصود هو هذا فكان البدء به ثم جاء الهدف من الذبح، ثم هذا القلب (أي ذكر الأمر بالذبح قبل البدء بعلته) يعادل القلب الذي يحياه اليهود وعدم سلامة نفوسهم واستوائها.
في سورة الأعراف يفتتح الله قصة القرية المحتالة العاتية عن أوامر الله في اعتدائها يوم السبت بقوله تعالى ((واسألهم عن القرية ... )) لأن في هذا الأسلوب تبكيت وتعيير لهم، لا لأن الأبناء يرثون ذنب الآباء كما تقول النصرانية بل لأنهم يسيرون على طريقتهم وسننهم، فحين يقول العائب للمذنب:- "أتذكر ما فعل آباؤك؟ " فهو ولا شك تعيير وتقبيح مع التنبيه والتحذير.
وهذا واضح في القصة القرآنية وجلي.
في هذه الآيات القاصة حادثة الأحزاب ابتدأها الله بقوله ((يا أيها الذين آمنوا اذكروا ... )) فهو مطلع يروي حدثاً ليتلى ويحفظ ويعتبر به، وهو حادث للذكرى ((اذكروا)) لتعدد عبره التي سيحتاجها القارئ المؤمن دوماً.
فهي حادثة للذكرى، وفيها تعداد لنعم الله تعالى حيث فرغ المسلمون من أي قوة سوى انتظار الفرج لا غير، لأنهم لا يملكون سوى ذلك.
لم يكن بين أيدهم إلا الصبر والنظر إلى السماء ليقضي الله بينهم وبين أعدائهم، فهم يرقبون نعمته ويرجون رحمته، وهم على حال لا يحتمل إلا النجاة أو الفناء، هذا الفناء الذي يقضي على الرجال وتستباح النساء وتؤخذ الأرض، وكان يمكن لهذا أن يقع كما وقع في التاريخ الإسلامي أمثاله من سقوط حصون الإسلام أمام المشركين وذلك كما سقطت عكا أمام الصليبيين وسقطت بغداد أمام التتار وغيرهما من الأمثلة، لكن الفارق بين هذه الأحوال وحال غزوة الأحزاب وأمثالها في أمور أهمها أنّه في مرات كثيرة يكون الإلتجاء إلى الحصون والمدن سببه الهوان والخذلان والجبن عن مواجهة الأعداء والخصوم، فيرجع المسلمون إلى الحصون لا لأنه هو الإختيار الأفضل لهذه الحرب بل لجبن أهلها عن المواجهة، فمثل هذا الحال يورث الخذلان، لأن الجبن والخور والإضطراب لا تنفع معه الحصون ولا غيرها، وحال المهزوم نفسياً وصفه أحد قادة الحرب المشركين في غزوة حنين وهو دريد بن الصمة وكان شيخاً محنكاً ذو مراس في الحروب والرجال، فإنه لما رأى مالك بن عوف وكان ابن ثلاثين سنة، وهو قائد جيش المشركين قد ساق المواشي والأموال والنساء والأبناء كي يثبتوا ويقاتلوا قتال المستميت عن نفسه وماله وعرضه قال له دريد: راعي ضأن والله، وهل يرد المنهزم شيء؟. فالمنهزوم الملتجئ إلى بيته لا يلبث بعد قليل من الحصار والتجويع أن ينهار، وفي مرات يكون تقديرات بعض الحصون غير سديدة كاعتمادهم على دعم خارجي يرجونه فلا يكون، فينهارون وذلك بسبب تقصير المسلمين في دعمهم أو فك الحصار عليهم، ولذلك يجب أن تدرس كل حالة على حدة ليعرف الأسباب المؤدية إلى ما آلت إليه، وإن من أهم أمور