غزوة الأحزاب كشفت أن هذا الكائن المتميز في المدينة النبوية لم يُبن من خلال شرعية المحيط به، فهو لم يأخذ حق الوجود والثبات والمدافعة من خلال الرضا ((العالمي)) عنه، ولا من خلال قبول البعض به دون الآخرين ليكون جزءاً صغيراً لقضايا الآخرين الكبرى والأصلية، لأن هذا البناء النبوي لو كان كذلك لما أمكن له الوراثة الكلية للجزيرة العربية في وقت قصير، ولبقي صعوده وهبوطه مرهوناً بإرادة الآخرين، يتحرك من خلال فضائهم وصدقاتهم، بل إن من عجائب هذا البناء النبوي أنه صارع القوى في أوجهها، ولم يكن التهيؤ إلّا في داخل المدينة النبوية نفسها حيث قتل زعماء الأوس والخزرج في معركة بعاث التي كانت آخر معاركهم الداخلية، فلم يبق من كبارهم إلا المنافق عبد الله بن أبي بن سلول، فكان هذا هو التهيؤ القدري فقط، وأما قريش واليهود وباقي القرى الأخرى فهي على وجودها وثباتها، سواء كان في الإعتقاد أو التمكن الداخلي، فغزوة الأحزاب كشفت هذا الواقع حيث أبانت عن صلابة هذا المحيط في تصديه لهذا البناء الجديد، ولم يقف معها أحد، ولم يمانع عنها فرقة أخرى، بل جاءتها الأحزاب من الخارج، وساعدهم بقايا اليهود وفلولهم من الداخل، وهذا يعطي خاصية فريدة لهذا البناء يكفي للعبرة والإتعاظ والتعلم، وهو حجة للعاملين جهاداً في سبيل الله تعالى في أشد الظروف، ورد على الذين يطلبون شرعية البناء الإسلامي من قوى جاهلية أخرى يدفعون لها ثمن هذا الرضى تنازلاً عن قيم الإسلام وأوامر الله تعالى.
حين تأخذ شرعية وجودك من الآخرين اضطراراً (كما تزعم) في البدايات فإنك ستدفع ثمن هذا في كل مرحلة تحصلها بعد ذلك، وهذا يجعلك صغيراً دوماً لا ترقى للوراثة الكاملة التي يوجبها الله عليك، وتوجبها أوامر الله تعالى.
يندفع البعض لسلوك هذا الطريق استعجالاً لبعض المكاسب، ووصولاً لبعض التمكين الصوري، فيحرفون المراحل "كما يقولون" لكنهم في الحقيقة يعيشون مع هذه المواقع المكتسبة في حالة دائمة مرهقة من الإضطراب تمنعهم من خطوات أخرى صحيحة نحو أهداف الإسلام الكلية.
طريق الإسلام طريق مشقة حقيقية، يحكمها أن العاملين فيها يريدون ارضاء الله تعالى وتحقيق عبوديته في الأرض، ويكسبون المواقع من خلال هداية الخلق والتحاقهم مؤمنين بهذه القافلة وبما يأخذونه قهراً وغلبة من أفواه أعدائهم لأنهم حينئذ يملكونها حقيقة لهم فيقيمون فيها أمر الله خالصة له من دون الناس.
قد تطول طريق الحقيقة لكنها توصل، وقد تقصر طرق الباطل لكنها مهلكة.
سورة الأحزاب كأنها شطرت شطرين، أولاهما كان حديث الغزوة، وثانيهما حديث العلاقة النبوية مع زوجاته رضوان الله عليهن، وهذا له دلالة واضحة غير خفية، ذلك بأن هذين الأمرين هما أمر واحد، وهما يتعلقان بالبناء الداخلي للمجتمع المسلم، إذ لولا الصلابة الإيمانية لمجتمع الصحابة رضي الله عنهم لما تم النصر، فهذا البناء الأول ثم البناء الثاني وهو البناء الأسري، وهو مهم على درجة لا تقل عن البناء الأول.
توزع الحديث عن المنافقين في البنائين، فقد بسط حال المنافقين حال الغزوة بسطاً واضحاً، ثم جاء الحديث عن المنافقين بعد الأمر بإدناء الحجاب على المؤمنين، لأن سبب هذا الأمر هو ما يقترفه المنافقون من إيذاء المؤمنات حال خروجهن لحاجتهن من بيوتهن.