الجهاد في سبيل الله ليس عاقبة للبناء حتى يتكامل، بل هو البناء نفسه، لأنه لا يمكن لأمة حية أن تحقق البناء الذاتي لها إلا بجهادها لأعدائها، وأول خصائص الأمة الحية أنها أمة دعوة وبعث وشهادة، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا".
جاءت هذه الغزوة (غزوة الأحزاب) بعد أن ملّت قريش من هذه اللقاءات الفرعية، لأنها رأت أن هذه اللقاءات تحقق المنعة والقوة والتقدم لهؤلاء الخصوم، فكان لابدّ من قذيفة نهائية، ولما اختارت قريش هذا التوقيت كان ولا شك اختياراً ملائماً لها وغير ملائم لخصومها من المسلمين، ولذلك التجأ المسلمون لحصنهم "أي بيوتهم" مع بناء خندق حولهم، وهذا ليس اختياراً دينياً كما ظن بعض المسلمين بعد ذلك، بل هو اختيار عسكري بحت، فعبد الله بن حنظلة الغسيل لما سمع بقدوم جيش الشام لغزو المدينة حين أرسلهم الفاسق يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بزعامة مسلم بن عقبة وقد سماه السلف مسرف بن عقبة لإجرامه وفسقه، عامله الله بما يستحق لرد عصيانهم، عمد عبد الله بن حنظلة إلى نفس تكتيك غزوة الأحزاب ظاناً أن الحال هو الحال فلم يقع له ما تأمل بل اجتاحت جيوش الشام المدينة في موقعة الحرة التي تعد لطخة سوداء في تاريخ ملوك الإسلام، لأنه في الحقيقة لا توجد معركة في التاريخ تشبه أخرى من كل جانب، والمعارك يقال فيها ما يقال في المثل: "لا يمكن لك أن تسير في مكان واحد في النهر مرتين" ذلك لأن الماء دائم الجريان في الأنهار.
غزوة الأحزاب فيها الكثير من الخصوصيات لكن أبرز خصائصها في السير النبوية خصيصتان:- أولاهما أن المسلمين التجؤوا فيها للمدينة، وهذا الحال يحققه معنى غزو المشركين للمسلمين في عقر دارهم، مع أن الصبغة العامة للهدي النبوي قوله "ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلو"، فهذه الغزوة خصت هذا الأمر، وبذلك يكون معنى الحديث: أن من استكان دون جهاد وغزو فسيكون عاقبته الإذلال، وله معنى آخر:- من قدر على ملاقاة عدوه خارج أرضه ثم تركه ليأتيه لداره فقد ذل، مع وجود معاني كونية أخرى للحديث، ثم ولا شك أن حال غزوة الأحزاب فيها شيء من القهر للصحابة، مع وجود نوع استغلال لقريش وأحزابها، ومع ذلك اختار الصحابة هذه الوسيلة لأنها الأقرب إلى منع تحقيق الأحزاب لأهدافهم.
ثانيهما:- في هذه الغزوة فقط قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:- "لا تتمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموهم فاصبروا" وهذا على خلاف الحال النبوي الشريف، لأنه هو صلى الله عليه وسلم كان يبادر للقاء المشركين، وقد قال أهل العلم في ذلك أقوالاً، إلا أن القول الصحيح أن هذا القول كان خاصاً لهذه الغزوة الفريدة! والشديدة في وقعها على المدينة النبوية، ولذلك كان لابدّ من اجتناب المواجهة القتالية المباشرة، وهذا حجة للفر كما يكون معه الكر، وكل ذلك بحسب الحال، ويشهد لهذا إقرار النبي صلى الله عليه وسلم للعائدين من مؤتة أنهم الكرار لا الفرار.
لقد كان العامل الغيبي بإرسال الريح والملائكة هو الحاسم في هذا الحصار، لكن الصبر والثبات الذي امتد شهراً هو سبب هذا التأييد الإلهي، إذ صرف الله قريشاً وحلفاءها عن المدينة، وكان هذا الإنصراف سبباً في كشف اليهود والمنافقين، فتفرغ رسول الله لبني قريظة ووقع ما وقع مما سيأتي ذكره في آيات القرآن الكريم من سورة الأحزاب.