تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه الكلمة النبوية الشريفة وصفت السجالات والمنازلات الأولى بأنها وإن كان بعضها استفزازاً من الصف المؤمن كبدر الأولى والكبرى وغيرهما إلا أن قريشاً كانت هي التي تنفر للمواجهة، ثقة بقوتها وقدرتها على إزالة هذا التحدي الجديد، فكانت الحروب في ذلك كأنها إرادة قريش لا إرداة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهذا لو تأمله المرء لعلم أن المعارك النهائية لا تكون إلا من خلال سلسلة معارك تسبقها، وليست كما يتخيله البعض من أن المعركة الحاسمة الكبرى يتحقق الإعداد لها في فضاء بعيد عن المواجهات والإمتحانات الحقيقية.

لقد ألقت قريش وحلفاؤها كل الثقل الممكن في هذه الغزوة، ولم يكن بالإمكان أبداً أن يطرح أحد المسلمين رأياً بالصدور إلى مواجهة قريش رأساً لرأس لإجماعهم على خطأ هذا الرأي، فهو يحقق لقريش ما تريد من استئصال هذا المجتمع الجديد، ولذلك كان لابد من الإعتصام بالمدينة وجعلها درع مواجهة أمام زحف المشركين وقوتهم.

إن طرح بعض المسلمين في أحد وكذا إجماعهم في الأحزاب على عدم الخروج للمواجهة رأساً لرأس ليدل على أن قوة المسلمين لا تعادل قوة قريش في تقديرهم لهذه الغزوات والمنازلات، ومع ذلك كان الجهاد واجباً شرعياً على المسلمين يمارسونه ضد قريش وغيرها ولم يقل أحد منهم بإسقاط الجهاد لعدم وجود التكافؤ، أو قالوا لنؤجل الجهاد حتى يتم التوازن في القوى كما يقول بذلك بعض منتسبي الفكر الإسلامي وقادة بعض التنظيمات العاملة للإسلام، لأنه لو قال أحد بهذا لكان معناه أن لا يجاهد المسلم قط، بل لا يمكن لأمة أن تحيا وتنبعث نحو مقاصدها المسلوبة من أعدائها إن اعتقدت هذا الإعتقاد الفاسد.

كل الغزوات السابقة حتى غزوة الأحزاب كانت غزوات قلقة، أي غير محسومة العواقب، بل بعضها فرض فرضاً دون تقدير من المسلمين كبدر الكبرى، وأغلبها كانت محن حقيقية للمسلمين، كان فيها الخوف والترقب والشد النفسي في أعلى حالاته، وبعض هذه الغزوات كان يمثل النهاية للمسلمين لو وقعت الهزيمة لهم كما في بدر التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن تهزم هذه العصابة فلن تعبد في الأرض)) وكما في غزوة الأحزاب هذه، وهذا بخلاف معارك المسلمين اليوم فهي لا تشكل أبداً مخاطرة نهائية بين الإسلام والكفر، وهذا يجعل معارك الإسلام الأولى التي قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر خطورة وشجاعة من أي معركة بعده صلى الله عليه وسلم، ويدل على أن انبثاق الجهاد وعقيدته إنما يكون من رحم الإبتلاء والصعوبات والظروف القاهرة العاتية، لا كما يظن البعض أن الجهاد ينشأ من داخل مستقر وخارج ملائم مستقبل، فالمدينة كان يحيط بها اليهود ويتخللونها كذلك، وفيها صف النفاق، والعجز الإقتصادي من تأثير المهاجرين وكثرة الأعداء حولهم، وكون العدو الذي يتصدى لهم هو قريش، وهي أكبر قوة في الجزيرة العربية، كل هذا وغيره يجب استحضاره حين ندرس الجهاد النبوي منذ أن شرع إلى أن مورس.

الجهاد في سبيل الله هو دين الله في كل الظروف، وأصلح الظروف له تلك الحالة التي يصدم هذا الناشئ الجديد أقوى القوى، وينازلها منازلات تحقق الإرهاق في جسد الثور الهائج، كما يفعل المقاتلون له بغرس سهامهم الصغيرة والمتكررة في أعصابه وعضلاته، فينطلق الثور ذات اليمين وذات الشمال، وفي كل حركة له يتم استنزاف دمه وقدراته وتقطع عضلاته وأعصابه حتى يأتي الفتح العظيم.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٨٨