يتركونهم بسبب الخشية منهم لا لسبب آخر، هذا مع دعوى الكثير منهم أن هناك من وسائل أخرى لمعالجة هذا العداء، يسمونها كذباً وزوراً بالحكيمة الفاعلة، وهي في الحقيقة الجبانة الخائبة.
إن قوله تعالى ﴿فلا تخافوهم﴾ لا يعني أن لا يخافهم المؤمنون عند تجردهم من أسباب القوة والعتاد، ولا عند قلتهم وضعفهم لأن الأمر حينئذ لا يكون له معنى، لأنه ليس من طبيعة القوي أن يخاف من الضعيف، ولا من الكثير أن يخاف من القليل، إنما هذا الأمر حين تكون موجبات الخوف قد حضرت من الكثرة والعتاد، وهو حال لو تفكر المرء فيه لوجد في الأمر الإلهي أن لا يبرح المؤمنون الجهاد على كل حال من أحوال عدوهم.
بهذا تم في هذه الآيات الثلاث وصف حال المؤمنين، ووصف المنافقين، فمدح سبحانه وتعالى وكشف وحذر، فكانت هذه الغزوة الفريدة في سلاحها ووضعها وعاقبتها لها فضل وكرامة هذه الصبغة الإلهية الجليلة.
هذه الصبغة التي تذهب للنفوس فتمدحها وترقيها في قيمها، وتكشف ما يقابل ذلك من صفات النفاق.
صبغة بدأت باسم الإشارة ((الذين ... )) وهي في سباق مع آيات الشهادة لتجمع بين عالم الذاهبين هناك إلى رحمة الله ورضوانه مستبشرين بالنّعم الالهية، وبين اللاحقين بهم وهم على دربهم وأعمالهم وثباتهم.
إن الذين ذهبوا هم سواء مع الباقين، والباقون سواء مع الذاهبين، لأن الذاهبين أحياء هناك، والباقون شهداء ينتظرون هنا.
﴿يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم﴾ وهؤلاء ((الذين)) هم ((الذين استجابوا لله وللرسول)) فهذا حال أهل الإيمان بين شهيد، وبين مقيم على درب الشهادة.
درب الشهادة هي درب الجهاد، لأنه درب الإستجابة لله وللرسول كما قال تعالى: ((استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)) أي الجهاد في سبيل الله تعالى.
فهنيئاً للمقيمين في هذه الدروب لأنهم لاحقون بالمتنعمين في جنات النعيم.
غزوة الأحزاب وبني قريظة
هذه الغزوة هي القذيفة الكبرى والأخيرة التي بقيت في جعبة قريش بقيادة أبي سفيان، وهذه سمات الحروب حيث يترك بعضهم مفاجأته الكبرى لآخر الجولات، ولكن قريش كانت تستنزف في معاركها السابقة ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إخراج هذه القذيفة أمراً اضطرارياً لتحقيق الهدف النهائي في هذا السجال المتواصل، وذلك بتجميع كل القوى لتحقيق الضربة النهائية لهذه المنازلات، ولما انتهت إلى ما انتهت إليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمته الحاسمة:- "الآن نغزوهم ولا يغزوننا"، لأن قريشاً قد انتهت كل أدواتها وقواها الباعثة للمواجهة خارج مكة.