وذلك بأمور: إما بتدريبها على هذه الأمور أو أضداها، وذلك باتباع سبل وطرق ذلك، فالشجاعة عمل مكتسب كما كل الملكات البشرية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما العلم بالتعلم" هذا مع أن بعض الملكات منحة ربانية كما في حديث الأشجع بن عبد القيس: "إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة"، ولذلك يجب على الآباء والعلماء تعليم هذا للأمة قولاً وعملاً، وإما بمقاومة ما يطرأ على النفس من واردات منهي عنها كالخوف هنا، واتباع سبيل الطاعة، ويكون في الإتباع مجاهدة لهذه النفس فيحصل الغلبة لضد الخوف من محبة طاعة الله ورسوله.
لقد تبين في كثير من الحكم والأقوال وكذا الدراسات أن المشاعر الإنسانية لا تزول، فالشجاع يجد في قلبه ما يجد الجبان من المعاني، والحليم يجد ما يجد الجهول، بل وجدوا أن إحساس الأجساد البدنية تتساوى في ألمها، ولكن الفرق في معالجة هذه المعاني الباطنية والأحاسيس البدنية، فالممدوح هو من يعالجها ولا يستسلم لها والمذموم هو من ينقاد ويستجيب لها، فالفارق إذاً ناتج عن العلم وقوة الإدراك والتفكر في العاقبة والمران والدربة، وبهذا يأمر الشارع عبيده بعدم الخوف ((فلا تخافوهم)) وهو أمر جلي في وجوب مواجهتهم، أي اقتحام هذا الخوف ومقاتلته وتحطيمه كما حطم إبراهيم عليه السلام أوثان قومه ليثبت لهم أنهم يعبدون ما لا ينفعهم ولا يضرهم.
في هذه المواجهة سيظهر الشيطان وجنده كل أسلحته، وهي تتجدد وتتلون، والمؤمن يصمد بأن يملأ قلبه بالخوف من الله وحده ((وخافون إن كنتم مؤمنين))، لأن الإيمان لا يقوم إلا بركن الخوف من الله وبركن آخر وهو الحب له، وهذان أساسان للرغبة والرهبة، وهما ركنا التعبد لله تعالى؛ والحق أن المعارك العسكرية لها أمد محدود وأزمنة هي الأقل في حياة البشرية، لكن هذه الحرب، وهي الحرب النفسية هي التي تشمل الحياة، إذ لا يطول استسلام أمة لأمة إلا بسبب الخوف من هذه الأمة الغالبة، وهذا ما قاله الله تعالى عن بني اسرائيل لما دعاهم موسى في آخر عمره لدخول الأرض المقدسة ((يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فنتقلبوا خاسرين، قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون))، فهكذا وقع في قلوبهم الخوف بسبب استعراض خصومهم، فلما وُعظوا فلم يتعظوا كان الحكم عليهم بالتيه والإذلال أربعين سنة كما قال تعالى ((قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين))، والأمم، كل الأمم، لابدّ أن تهزم في بعض المعارك، ولكن الفرق بين الأمة الحية والأخرى أن الأمة الحية تستجيب للتحدي، فلا ترتجف أوصالها أمام أعدائها، ولا تستسلم لما حل فيها خوفاً من خصومهم، بل ينشطون لقلب الموازين وتغيير المعادلة، ذلك لفقههم لسنن التدافع وعدم انهيارهم النفسي أمام عدوهم.
الخوف مرض البشرية لأنه يعطل الإرداة، ويشل الحركة، ويلهث النفس أمام الخواء، ولذلك من أعظم خصائص الإسلام أنه حرر الإنسان من الخوف إلا من واحد، وجعل هذا شرط الإيمان بالله كما في هذه الآية –وخافون إن كنتم مؤمنين- وكذلك في قوله تعالى في سورة التوبة ((ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم، وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين)) هذا مع ما تقدم من الآية السابقة فإن جعل الله الإيمان وزيادته سبباً لصرف الخشية من الكافرين بقوله ((الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً))، فالإيمان بالله يضاد الخوف والخشية من الكافرين.
وإذا كان الأمر كذلك فإن الجهاد هو امتحان هذه الخصلة الإيمانية، وهو أعظم ميادينها، ولذلك كان الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، ثم قد دلت آية التوبة المتقدمة أن الذين يتركون الجهاد في سبيل الله تعالى وقد عادى الكفار دين الله إنما