تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن، ورضوان من الله أكبر ذلك الفوز العظيم} وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:)) إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون:- وما لنا لا نرضى يارب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يارب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً)) وهو في الصحيحين. اللهم اجعلنا منهم. آمين.

ثم هذا يكشف عنوان خروجهم، وباطن قلوبهم، فهم مخلصون لربهم، لا يسعون لعلو في الأرض ولا إلى فساد فيها بل همهم إرضاء الله تعالى، فإن حصل لهم الرضوان فحينها ما سيعطيهم ربهم إياه سيكون عظيماً لأن الله سبحانه ذو فضل عظيم.

﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾

أي أن ما صرخ بينكم قائلاً: "إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم" إنما هو الشيطان، والإنس في القرآن يسمى شيطاناً كما الجن؛ قال تعالى في سورة الأنعام ((وكذلك جعلنا لكل نبي شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً))، والآية لها معنى آخر وهو ما قاله أهل التفسير من أن ما يقع في نفوس المنافقين من خوف من المشركين إنما هو من تخويف الشيطان لهم، وكلاهما معنى صحيح تحتمله الآية الكريمة.

وهكذا يتبين أن الجانب النفسي هو سبب الهزائم، فهذا الخوف الذي يقذف في القلوب من قبل الشيطان، شياطين الإنس بكلماتهم وشياطين الجن بإغوائهم، فتنقاد النفوس الضعيفة لهؤلاء ويحصل الخذلان والهزيمة.

هذه الكلمات والغواية تتلبس بأردية العقلانية في أكثرها، وهذه العقلانية تجد ألفاظاً عامة في الفقه تسندها بدليل موهم فنتج في الصف الإسلامي على صورة فتوى أو نصيحة، ظاهرها الدين وباطنها الشيطان، وهذا أشد ما يلاقيه الناس في المحنة.

هذه الآية تضع شرطاً للفقيه وهو احترازه من تخويف الشيطان وغوايته، ووجود القدرة اللازمة بين زيف الكلمات وحقائق الوجود، وبين الدعاوى النفسية والأدلة الشرعية، ومخالفة ذلك هي سبب الركون للكافرين ومهادنتهم ومرد ذلك هو الخويف الشيطاني.

الأمان لا يتحقق في المجتمعات ببذل الهوان للأعداء، لأن مطلب الأعداء لا ينتهي حتى يردوا المسلمين عن دينهم، وإنما الأمان يتحقق في النفوس والمجتعات بالصدور إلى الأعداء، ومواجهة أسباب الخوف وجنده وشياطينه، وبهذه المواجهة يتم إظهار خوائهم وضعفهم وبطلان قوتهم، لأن الخوف الذي يدفع صاحبه للهروب أو المهانة هو خوف مرضي ينشأ أغلبه من الوهم ولا حقيقة له، وكشف ذلك يتم بالمواجهة والإصطدام، وأما صناعة الأوهام فهي ابنة الشرك والكفر، لأن أساسها واحد في النفس البشرية، فالذين يضعون الأصنام والأوثان ثم يعبدونها رغباً ورهباً مرضى بالوهم، وكذا الذين يخافون غير الله إنما هم مرضى بالوهم، ولذلك سمى الله أتباع هذا التخويف والعلاقة بينهما بالولاية ((يخوف أولياءه))، فهي علاقة تعبد في حقيقتها.

﴿فلا تخافوهم﴾ أي أولياء الشيطان، فهذا أمر رباني بعدم الخوف، وهذه خاصية القرآن دون غيره من الكتب الشرعية التي أنتجتها علوم الإسلام، لأن القرآن كتاب النفس الإنسانية، فهي مقصوده، وعليها يعلق حركة الإنسان، لأن عامة المعاصي إنما تنشأ من مرضى النفوس وقسوة القلوب، والأمر بعدم الخوف يدل على أن الإنسان له إرادة على حركة قلبه،

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٨٥