إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون)) والله أعلم بالصواب.
لقد خرج المؤمنون قراحاً إلى عدوهم وساروا مسيرهم إلى حمراء الأسد، ووقع الخور في نفس أبي سفيان وجنده فلم يروا إلى الرجوع إلى مكة، وأما الصحابة رضي الله عنهم فآبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، فأما النعمة فهي السلامة من الأذى، حيث لم يصبهم فيها شيء بهروب عدوهم من أمامهم، فتحقق لهم النصر بلا جراح ولا تعب ولا مشقة، وهذه السلامة في الأبدان والأنفس هي نعمة من الله تعالى، لكنها نعمة لم تأتهم نياماً، ولم تحصل لهم وهم قارون في أماكنهم بل سعوا إليها وحملوها ثم انقلبوا بها، فهذا شأن نعم الله تعالى يقوم لها الرجال في حال الإبتلاء والإمتحان، يردف الجريح جريحاً، ويذهب إلى عدوه وهو لا يرجو السلامة والإياب فيمنّ الله تعالى عليهم بنعمه فيرجعون بها إلى أهليهم ومساكنهم.
لقد كان انقلابهم إلى أهليهم نعمة حيث لم يقتلوا ولم يجرحوا، وقد كان مع انقلابهم حمل نعمة السلامة، ولذلك لا يجتمع بهذه الآية الهاربون من اللقاء، الخائفون من عدوهم خوف الجبان المقعد، اللائذون بديارهم لوذ المترفات، فإن هؤلاء لا يحصل لهم الأمن بهذا، ولا تكون لهم السلامة والنعم في سلوك هذه المهاوي المضلة.
هؤلاء الصحب الكرام نفروا وتوكلوا على الله ولهجت ألسنتهم بذكر الله وحطوا رحالهم في ساحة المعركة، كل هذا وهم يدفعون الكلمات التي تلقى عليهم تخذيلاً وتوهيناً لإرداتهم، فمنّ الله عليهم بأن صرف عدوهم عنهم فانقلبوا بنعمة السلامة من الله تعالى.
وأما الفضل فقد ذكر أهل التفسير أن النبي صلى الله عليه وسلم أصاب تجارة في الطريق فاشتراها فربح فيها مالاً فقسمه بين أصحابه، وهناك ما هو أجل من هذا وهو منع المشركين من تحقيق أهدافهم التي أرادوها استثماراً لأحد، حيث خذلوا فكانت هزيمة لهم.
﴿لم يمسسهم سوء﴾
هذه منة إلهية، وهي رد على دعوة الخشية من قريش وزعيمهم أبي سفيان، ونحن لا نرى القرآن يعالج الأقدار الإلهية بما يلائم المؤمنين على وجه حسن في كل وجه، فإن أصابهم البلاء فهو خير لهم، وإن صرف عنهم البلاء فهو نعمة لهم، ذلك لأن)) أمر المؤمن كله له خير إن أصابه خير شكر وإن أصابه شر صبر فكان خيراً له)) كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم، ذلك لأن الآخرة وما بعد الدنيا هو المقصود، والخاسر هو الذي يجعل همه هذه الدنيا، إن جاءته خاف من ذهابها، وإن ذهبت تحسر على فقدانها، فهو بين خوف وتحسر، والمؤمن بين صبر وشكر والآخرة خير وأبقى.
﴿واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم﴾
وهذه أخرى تجري مجرى الفضل الإلهي لهم، إذ وقعوا لطاعة الله فحصل لهم الطريق الموصل لرضى الله تعالى عليهم.
وهكذا جعل الله مسيرهم وخروجهم طريقاً يسلكونه كأنهم يسيرون وحاديهم في هذا السير رضوان الله تعالى، فهم يتبعون ويقتفون أثره ويسعون لتحصيله.
وهذا الرضوان هو أكبر من كل نعيم، وخير من كل جزاء كما قال سبحانه وتعالى كما هو أفضل من الجنان ((ورضوان من الله أكبر)) كما قال سبحانه في سورة براءة {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار