يأتون لمقاصد دنيوية فهؤلاء سرعان ما ينتكسون ويذهبون إلى طرق الباطل، وهذا عندما تعرض لهم بارقة متاع دنيوي هناك.
المسلمون في دعوتهم لا يعدون الناس إلا بالجنة كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف على القبائل يدعوهم إلى الإسلام فيسألون ما لنا؟ فيقول: لكم الجنة، وعلى هذا الوعد دخل الأنصار في دين الله، وعقدوا الصفقة بينهم وبينه صلى الله عليه وسلم.
وأما التفريق بين الإحسان والتقوى بالجمع بينهما (إذ الصحيح عدم الترادف في القرآن الكريم)، ذلك لأن الإحسان يكون باختيار خير السبيلين، والتقوى بإقامة ما اختاره على وجه الحق والصواب، وكذلك الإحسان يكون بالإتقان على وجه الفعل، والتقوى تكون بتجنيب الفعل ما هو شر على وجه الترك، ولذلك جمع الصحابة بين الأمرين ههنا.
وفي الآيتين تقديم ما تأخر وتأخير ما تقدم فعلاً، فإن الصريخ والإرجاف والإشاعة قد تقدمت على نداء رسول الله لهم بالنفير إلى جمع قريش، ذلك لأن المقصود هو بيان فضل القوم وإيمانهم وفعلهم، ولذلك قدم فعلهم لشرفه، وبين حالهم ((القرح)) وأبدانهم ومالهم من الأجور، وأعطف بعد ذلك السبب ومقالة الآخرين.
﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم﴾
هكذا كانت عاقبة الإيمان في صدِّ الإشاعة والإرجاف، وهكذا استعلت الإرادة الإيمانية على إرادة الكفر، وهكذا كانت العاقبة، إذ سكت القرآن على المسير وما جرى فيه وأوقف القارئ على المنقلب والإياب، والسكوت في القصة القرآنية عن أمر يكون لأمور منها أن يجري القارئ في هذا المسكوت عنه معرفته وتصوراته فيلتقي الخطاب مع هذه التصورات والمعرفة على وجه يحقق التواصل والإنفعال ومثل ما قصّه الله علينا في سورة يس، حيث جاء الرجل من أقصى المدينة يسعى، داعياً قومه لإجابة الرسل، ووقع ما وقع من خطابه لهم إلى قوله تعالى ((وماليَ لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون، أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون، إني إذاً لفي ضلال مبين، إني آمنت بربكم فاسمعون)) ثمّ انتقل المشهد كلياً إلى الآخرة حيث سكت القرآن في هذه القصة عما جرى له من قومه فقال سبحانه ((قيل ادخل الجنة، قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين))، وهذا الفاصل المسكوت عنه متروك لذهن القارئ ليملأه من عنده، وهذا الإملاء يجب أن يكون من خلال وعيه على سنن أمثال هذه القصة أو على إشارة من القرآن الكريم، فهذا الرجل ولا شك قد رجم وعذّب حتى نال الشهادة، وهذا مأخوذ من قوله تعالى على لسان قومه من قبل في خطابهم للمرسلين ((لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم))، وأما أن هذا المسكوت عنه قد فصّل في مكان آخر من القرآن الكريم ومثل هذا قوله تعالى عن آدم في توبته: ((فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه)) والمرء إن سأل ما هي هذه الكلمات وجدها في قوله تعالى ((قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)) وإما أن يكون المسكوت عنه لهوانه ومثل هذا قوله تعالى في قصة القرية اليهودية العاصية يوم السبت وجزاء أهلها ((فلما عتوا عما نهوا عنه نجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون)) فهذا قسمان: المنكر والظالم فأين الساكت، فلو قلنا إن القرآن سكت عنهم لهوانهم عند ربهم يذكرهم لصح هذا، مع أن بعض المفسرين جعلهم من الظالمين الهالكين، وإن كان الأول أقوى لتسمية الفاعلين فسقة في أول آية وهو قوله ((كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون)) وقال عن الهالكين ((وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون))، ثمّ إن عدم ذكرهم في الناجين لأن نجاتهم من العذاب مع الهالكين لا يمنع وقوع الإثم واللعن وهذا في قوله تعالى ((لعن الذين كفروا من بني