تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم قد تحصل الزيادة قبل الإستجابة فتكون الإستجابة نتيجة لهذه الزيادة التي وقعت في محنة بين طرفين، فتدور في نفس الممتحن المعاني وتتصارع أطرافها المؤمنة والجاهلية، وخلال هذا التصارع تغلب المعاني الإيمانية على أخراها فيقوى الإيمان بهذه المعاني فتكون بعدها الإستجابة.

فالإستجابة لله وللرسول في الحالة الأولى هي سبب زيادة الإيمان وفي الثانية هي نتيجة لزيادة الإيمان، ولا شك أن الصحابة أهل علم ونظر، فهم يدركون معنى الأمر، فيستجيبون له مع إدراك معانيه وحكمته وعاقبته، ولكن إن حصل تخلف هذا الإدراك فإن عبوديتهم لله وانقيادهم لأمره وطاعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم تؤديان للطاعة والإستجابة.

هاتان الحالتان هما فعل المؤمنين بكل مراتبهم وفرقهم، ويقابلهم في الصف المنافق من يعطّل الأمر الإلهي بدعوى المصلحة وفساد العواقب، بل يذهب إلى مذاهب باطلة فيدين بها ويلتزمها زاعماً أنها هي من تحقق مقاصد الإسلام وأهدافه، وليتذكر الجميع وقوفه بين يدي الله تعالى حين يُسأل عن عمله من أتى به، ومن شرعه له، وما هو مصدر دليله، فأما المؤمن فإن حجته بينة واضحة؛ لقد أمرتني ففعلت، فهذا كتابك وهذه سنة رسولك صلى الله عليه وسلم، ولكن ماذا سيقول غيرهم؟. فليعدوا جواباً يليق بهول الموقف يومئذ.

﴿وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾

فهذه كلمتهم في مواجهة التحدي وقت الضعف كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قيل له إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، وهي كلمة من كلمات توحيد المؤمنين لربهم وإخلاصهم في عبوديتهم له، فلا حسب لهم سواه، والحسب هو الكافي، وهو نعم الوكيل، يرعاهم في شؤونهم ويدبر لهم أمورهم، ويجريها لهم على مراده الحسن فيهم في الدنيا والآخرة، وقد نبه أهل العلم أن هذه كلمة استعانة لا كلمة ترجع، فإن الكثير من الناس يقولونها على وجه آخر غير الإستعانة والدعاء وهذا خطأ. وقد يقول قائل أين الدعاء فيها فيجاب بأن مدح العظيم دعاء كما قال زهير بن أبي سلمى في عبد الله بن جدعان التيمي:-

أأذكر حاجتي أم قد كفاني ** حياؤك إن شيمتك الحياء

إذا أثنى عليك المرء يوماً ** كفاه من تعرضه الثناء

ولذلك كان من دعاء الكرب قوله صلى الله عليه وسلم:- ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم)) وهذا كما ترى لا سؤال فيه إنما هو الثناء والمدح، لكنه دعاء.

وفي هاتين الآيتين وصف الله قلوب الصحابة وأعمالهم وأقوالهم، فأما القلوب فوصفها بقوله ﴿فزادهم إيمناً﴾، وأما الأبدان فوصفها بقوله ﴿استجابوا لله وللرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾ وأما أقوالهم فوصف قولها بقوله ﴿وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾، فتم الفضل لهم من كل جوانبه، فرضي الله عنهم.

وأما قوله ﴿للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم﴾ فإن"من" هنا بيانية وليست تبعيضية، إذ المدح شامل لكل من استجاب، لأن في استجابتهم إحسان وتقوى وهم في ذلك لهم أجر عظيم.

وقوله ﴿أجر عظيم﴾ فهذا هو ما يعد الله به عباده جزاء طاعتهم، إذ لا يدعوهم إليه من أجل ملك ولا سلطان، ولا من أجل دنيا فانية، إنّما لهم الجنة، وهؤلاء الذين يستجيبون لهذه الدعوة هم أهل الصدق واليقين والعطاء والصبر، أما الذين

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٨٢