تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يكون عند أصحابه القدرة على الردع ما لو استجاب الخصم للتحدي، وهذه مهلكة للصغار، بل قد يدفع الخصم خصمه لممارستها ويساعده في تضخيم نفسه تضخماً ورمياً مرضياً يؤدي للقضاء عليه.

في الحروب لا يجوز المغامرة الجاهلة، أي أن يتحرك أحد الطرفين إلى موقع ضد الآخر وهو لا يقصد منه سوى أن يظهر نفسه وأن يفاخر بوجوده، فهذه مهلكة يمارسها الصغار والنوكى، خاصة حين يكون الخصم قادراً على الإستجابة لهذا التحدي الصور بأعمال حقيقية.

إعلان الحرب في صورة من الصور يجب أن يعنيه صاحبه، وأن يتوقع الخصم له استجابة هي الأقصى والأشد، والعجب من بعضهم وهو يدخل في صراع وجودي ضد خصومه، فيخرج الآلاف من أتباعه يصرخون ويهددون بأعلى درجات التحدي فإن تقدم خصمهم إليهم مستجيباً له تفرقوا ينشدون السلامة، ثم يبدأ التباكي الكربلائي لاستجلاب العطف والحزن، وهي صورة تكررها بعض الجماعات في كل حلقة من حلقاتها المكانية والزمانية، بل إن بعضهم قد وفّق قدراً بأن وقع الرعب في خصمه وكاد ينهار لو وجّه له نفخة واحدة إلا أن جهله بسنن الشرع والتاريخ توقف عن تحقيق أهداف الإسلام، فاسترد خصمه أنفاسه وحصل ما هو سنني في كل التدافعات فشرد به وقتل ومزق.

الإستعراض إعلان حرب حقيقية يجب على فاعله أن لا يستخدمه لعبة يوجب في على خصمه أنْ لا يخرج عن نطاقه، أي أن يواجهه صراخاً بصراخ، واستعراضاً باستعراض، هذه حقيقة يفهمها كل العقلاء ولكن يوجد في تاريخنا المعاصر من يمارسها مرة بعد مرة ولا يرعوي، غير متبع لقوله صلى الله عليه وسلم: لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين.

هذه الخطيئة مارسها أبوسفيان هنا في هذه الغزوة حيث ظن أن مجرد الإشاعة ستوهن المؤمنين، وتهز إراداتهم، وسيستسلمون لسيوف جنده وحرابهم، وقد حصل العكس، فاندحر هو وتراجع فكانت هزيمة، وقد خرج المسلمون رضي الله عنهم إلى مؤتة وكانت موقعة استجاب الروم فيها لهذا القادم عليهم وكان ما كان من انحياز المؤمنين بقيادة سيف الله خالد بن الوليد بالجيش إلى المدينة وكذلك سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنيْن، والتجأ أهل الطائف إلى حصونهم مستعصمين بها، وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفلح الحصار في أهدافه، فتركها رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع حتى جاؤوه مسلمين بإرادتهم، فهذه قضية لا تسير على اضطراد مع المسلمين في كل حروبهم أن يحصل الرعب في قلوب الكافرين بمجرد خروج المؤمنين إليهم على كل حال كما يتصور صوفية المسلمين اليوم، وهي صوفية فكرية يقع في غيها أقوى أعداء الصوفية النسكية حين يتصورون أن عامل الإيمان في أنفسهم دافع لانهيار الكفار أمامهم دون امتحان متبادل بين الفريقين.

﴿فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾

من المعلوم أن الإيمان يتنوع ويتعدد فما هو نوع الإيمان الذي زاد في قلوب هذه الفئة الممتحنة والتي استجابت لله وللرسول حين دعوا إلى الخروج حال القرح إلى أعدائهم؟.

إن مجرد الإستجابة لله وللرسول هي إيمان، وهذا إيمان ممتحن كما تقدم من جهتين؛ فهي استجابة في حال ضعف وألم وجروح وهناك تحدي آخر وهو عدم رجاء النجاة لهذه المقدمات، فهذان امتحانان يمنعان الإستجابة، ومع ذلك فقد تمت فحصل الإيمان، وهي زيادة عما كان في قلوبهم، وهذا شأن الإيمان يستجيب لوجوده ويحصل لهذه الإستجابة زيادة له.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٨١