تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فعل فإنما هي إدخال للخصم في أحشائه ليتقوى به ويصبح له لا عليه، وهذه طبيعة كل الضلالات التي تستخدمها الجاهلية في صرف المسلمين عن منهجهم ودينهم، ولذلك فلا يصل هؤلاء إلى نهاية السباق إلا وقد تعروا من كل خصائص الإسلام وعوامل قوته.

لقد وصف الله في هاتين الآيتين أمر المؤمنين، القرح السابق وإرجاف المنافقين، فأما القرح فقد مر عليه مروراً سريعاً، وأما الإرجاف فقد بسطه وفصله فقال: "الذين قال لهم الناس" وقد ورد أن القائل واحد من الناس، وقد أفاد أهل الأصول من هذا أمراً جليلاً وهو أن يكون اللفظ عاماً والمراد به الخصوص، فالقائل هنا واحد، قال السيوطي في الإتقان: قال الفارسي:- ومما يقوي أن المراد به واحد لقوله تعالى ((إنما ذلكم الشيطان)) فوقعت الإشارة بقوله ذلكم إلى واحد بعينه، ولو كان المعنى به جميعاً لقال:- إنما ذلكم الشياطين. لكن إطلاق كلمة "الناس" العامة على الواحد منهم في هذا الموطن له فائدة أخرى وهي بيان أثر الكلمة في النفوس، لأن الكلمة التي يطلقها فم واحد تسري في النفوس الكثيرة التي تسمعها ثم تتناقلها، وبذلك تصبح هذه الكلمة هي كلمة الناس جميعاً، وهذا يبين أثر الكلمة وقوتها وفاعليتها، وهي خصوصية لها لا يشاركها في ذلك ثوب ولا سيف ولا مسكن ولا مال، فلو أطلق رجل رمحه ضد آخر لكان الملقي واحد والمتلقي واحد، لكن أن يطلق الرجل كلمة فيسمعها الكثير ويتأثرون بها ثم يحملونها لغيرهم حينها يقال بحق: قال الناس.

﴿إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾، والعار والعيب في هذه الكلمة هو التخذيل والإرجاف إذ خوفوهم بكثرة الجمع ولم يكفهم هذا بل صرخوا فيهم:- "فاخشوهم"، والله عز وجل أمر في آيات قرآنية جليلة بعدم خشية الناس فقال تعالى في سورة البقرة محذراً من اتباع الأغيار في التوجه لغير الكعبة ((فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون)) وقال تعالى في سورة المائدة آمراً بني إسرائيل أن يحفظوا كتاب الله ويعملوا به ((فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ومن لم يحكم بما أنزل لله فأولئك هم الكافرون))، ذلك إن من أسباب ترك العمل بالحق هو الخشية من الناس لما يهددون المسلمين به، وهي حجة اليوم عند التاركين للعمل بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويصرخون كأسلافهم من الكافرين: ((وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا)) فرد الله عليهم افتراءهم بقوله ((أولم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون)).

وهذه اليوم ليست حجة الكافرين فقط لكن صار يتلفع بها العاملون للإسلام، بل هناك من أكرمه الله تعالى بالتمكين منهم وترك العمل بكتاب الله والسنة خوفاً من الكافرين وطلباً لرضاهم وبقوله في مجامعهم وأديانهم الكفرية الباطلة، ومثل هؤلاء لا ينصرون ولا يعانون على عدوهم من الله تعالى، فقد قال سبحانه وتعالى في أمثالهم:- ((بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً، الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً)).

فالخشية من الكافرين تضاد الإيمان، وهي سبب الخذلان والتحول من الحق للباطل، وهي عند أهل اللغة خوف يصاحبه التعظيم لا خوف مجرد، ولذلك كان معناها عند ابن جرير الطبري: فاحذروهم واتقوا لقاءهم فإنه لا طاقة لكم بهم، فهي دعوة منهم للهروب والتولي عن اللقاء لضعف المسلمين أمام أبي سفيان وجنده.

وفي خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هنا معنى يكاد يتكرر في بعض غزواته وهو ما يفعله النبي من أعمال قتالية تحقق الرعب عن طريق عرض القوة وإظهارها، لكنها أعمال حقيقية مليئة لا مجرد استعراض فارغ كرمي الخذف الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم، والفرق بينهما أن الإستعراض الجاهل يقصد منه الصوت والصريخ لا غير دون أن

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٨٠