تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم، إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين}

كانت رحلة غزوة أحد رحلة ألم، ومراجعة وتعليم، وفجأة بعد هذا كله تأتي هذه الآيات العظيمة في ثنائها، السابغة لمدائح إلهية جليلة على نفوس العباد والسائرين، فقد بدأت بوصفهم صناعاً لحدث "الإستجابة" ولم تكن استجابة عادية في وضع مريح، ينطلق فيه صاحبه مفعماً بالقوة والإعداد، لكنها استجابة فريدة في تاريخ البشرية، وهكذا الإيمان، فإنه يصنع دوماً طفرات هائلة لا يعد لها الكفر وجنوده عدتهم، إذ في لحظة غير مراقبة من فرعون يسري الصندوق في اليم يحمل موسى عليه السلام إلى مخدعه، ليستقر في مقره غافلاً أن نهايته على يديه، وفي انعطافة حادة يؤمن السحرة وتتغير صنائعهم من خداع البشر إلى هدايتهم، ومن رجاء العطاء المادي من يد فرعون إلى تحديه والإستهزاء بتهديداته وقضائه، فهذه حوادث الإيمان العجيبة حيث تقتحم استعدادات الكافرين، وتكسر حصونهم وترتيباتهم، وهكذا هنا حيث كانت آية الإستجابة لله وللرسول، فلا الأبدان ولا قدرات أصحابها ولا المقدمات كلها تؤذن بهذا القادم إعصاراً إلى حصون الكافرين واستعداداتهم، فهذه قاعدة لا كالقواعد، وسنة لا كالسنن، حيث في لحظة واحدة تنبت الجنة برعماً ويصبح البرعم شجرة باسقة ثابتة كثبات الجبال الشوامخ، فيعجب المراقبون ويتساءلون: متى تم كل هذا؟ والجواب: إنها صناعة الله تعالى.

لقد بدأت الآيات بهم، وبأجل خصالهم، عبيداً لله، ((الذين استجابوا لله وللرسول))، فقد تحركوا بوعي وبإرداة وبعلم، فهذه صفة الإستجابة مع القرح والألم، فاستعلوا على جراحاتهم المرهقة، وتحاملوا وهم يردفون بعضهم البعض خروجاً إلى لقاء عدوهم.

لقد وقع هؤلاء الرجال بين دعوتين: دعوة الله لهم والأخرى إرجاف المنافقين؛ وكانت دعوة الله لهم لبلوغ درجة الإحسان وتحقيق الأجر العظيم، فلا وعد إلا إياهما، وكان إرجاف المنافقين أن الناس قد أتوكم جمعاً لا يرد، وجيشاً لا يهزم، فأمامكم سيوف الموت وحراب المنايا، فأدركوا أنفسكم إدراك من يخشى خشية الرعب والجبن والخور، لا خشية الإعداد والإتقان.

كانت موازين القوى واضحة، ولا يمكن لمراقب عسكري أن يؤمل مجرد نجاة هؤلاء المقروحين، فماذا يفعلون؟

أيهادنون القوم؟ أم يضربون في الأرض التيهاء فلا يوصل إليهم؟

في هذه اللحظة سيقول الكثير: هذه عاقبة الإغترار، وتلك نهاية المغامرين بأنفسهم وأهليهم ودولتهم الفتية حين يقذفونها في حسابات غير مدروسة، ويمارسون المقامرات على نفوسهم وأهليهم ودولتهم، فهم أهل النظر والفهم والدراسة حين يلعبون في داخل مربع المشركين لعبتهم، وبقواعد المشركين، ظانين أنهم أهل فطنة وذكاء، والحق أنهم فئران تجارب، ترسم لهم الأدوار من خلال اللوائح التي تمدد سيرتهم فلا يتخطونها، ويتعملقون وهم مجرد غثاء، ويصرخون على صهوات خيولهم، لكنها خيول خشبية، ويدورون ويدورون ظانين أنهم قد قطعوا الأشواط الطويلة نحو أهدافهم لكنها دورات دابة الرحى تسير مكانها، لأنهم يتحركون ضمن خطة الخصم، ومن خلال قواعده، وعلى نفس منوال خطوط الطول الذي فرضتها الجاهلية، وفي كل مرة يوهمون أتباعهم ها قد وصلنا لكنه السراب لا غير.

القتال في سبيل الله هو درب الإسلام، وهو درب الحقيقة، لا لأن الدم محبوب، ولا لأن الموت والقتل مقصود بل لأن الحياة شعارها الألم، ونفوس الكافرين لا تستقيم إلا بهذا، ولا يردعها إلا الإرهاب كما قال تعالى ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم))، ولا يمكن لخصم أن يضع وسيلة تخدم خصمه للقضاء عليه، فإن

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٧٩