تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

موقعة أحد، فخرج رسول الله بمن معه، وأغلبهم في جراحاتهم حتى حمراء الأسد، فلما سمع أبو سفيان بخروج رسول الله وأصحابه أصابه الوهن، وصرف الناس معه للخروج، وتوجهوا إلى مكة فكانت غزوة، ويحق لها ذلك، فهي غزوة الردع والحرب النفسية، إذ استخدم كل طرف منهم قوة الإشاعة ضد الآخر، فاعتصم المسلمون بربهم ضد إرجاف اشاعات الكافرين، وأعملت الخدعة في المشركين عملها حتى تم النصر فيها، والنصر الحاصل هو أن صرفت وجوه الكافرين عن التوجه إلى المدينة.

غزوة حمراء الأسد هي صراع إرادات، واختبار نفوس بين فريقين خرج أحدهما منتصراً انتصاراً جزئياً وآخر يعيش أزمة ترميم الذات وإعادة ترتيب الصف، فالأول واقع بين ضغطين، بين الحفاظ على الإنجاز وبين استثماره في خطوة قد تذهب زهوة النصر ومكاسبه فآثر بسبب ضعفه النفسي وخور إرادته وتشتت أهدافه اختيار السلامة والهروب بما تحقق من كسب، وأما الآخر فهو أمام امتحان الإرادة والإيمان، ومنع الخصم من استثمار إنتصاره، فأصر بثقة أشبه بالخيال أن يخرج بنفس الفئة التي أصابتها الجراح، حيث رفض دخول أي عامل مساند آخر ليبرهن أن المعركة هي معركة نفوس لا أبدان، ومعركة إرادة لا أعداد، ذلك لأن المصيبة التي وقعت في أحد لم تكن بسبب قلة العَدَد ولا العُدَد ولكن بسبب خطأ فئة في تقدير موقفها، فالقيادة تريد أن تثبت للجند أولاً أنهم قادرون على تحقيق النصر إن ملكوا سلاح الإرادة والهمة والعزيمة، ليحصل لهم الثقة قبل غيرهم، فهم جنود المعارك الآتية دون سواهم.

ولذلك كانت غزوة حمراء الأسد غزوة فريدة من نوعها، فهي غزوة إعلام وإشاعة، ومعركة أسلحتها الإرادات والنفوس، فلم تتواجه فيه الأبدان، ولم يضرب فيها بسيف، ولا حصلت بين الطائفتين أي مواجهة مادية، وإنما انتصر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بسلاح الثقة بالله وقوة الإرادة واستعلائها على الجروح والآلام، والإقامة في ساحة الصراع، وقبول التحدي، فتجدد بهذه الغزوة مفهوم آخر للتولي الممقوت، إذ هو أوسع من مجرد ترك الساحة عند إلتقاء الجمعين والصفين، بل إن التولي يكون كذلك حين تجيَّش سهام التخذيل والإشاعة داعية إلى عدم اللقاء، والخشية من الأعداء.

هي غزوة تابعة لأحد من جهة لأنها متصلة بآثارها، حيث تستعلي جماعة المؤمنين على الجراح وتقبل المنازلة في وقت الألم والتعب، ولكنها كذلك غزوة مستقلة لأنّ لها أول مستقل ونهاية حاسمة خاصة بها إذ تحقق فيها النصر النفسي لجماعة المؤمنين، وهو نصر أكده القرآن أكثر من غيره في غزوة أحد بقوله ((ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)).

الصبغة الإلهية لرؤية غزوة حمراء الأسد ليس فيها إلا المدح المطلق للغزاة المجاهدين من رجال أحد، وكأن في ذلك رد إعتبار لهم، إذ أعطتهم هذه الغزية فرصة إثبات الإستجابة لله وللرسول إذا دعاهم في أي وقت وعلى أي صفة، وفيها معنى العودة عن هذه الخطيئة التي اقترفوها من المعصية في غزوة أحد، سواء كان بترك الرماة لأماكنهم أو بعدم استجابتهم لنداء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يصعدون ولا يلوون، فهي موقف يعبر عن الفائدة العظيمة التي جنوها من ذلك الدرس الذي كلفهم الكثير، فحصلت لهم العبرة والعظة وتمت الإستجابة للوعظ الإلهي العظيم.

يقول الله تعالى: {الذين استجابوا لله وللرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم، الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٧٨