لقد علمتنا غزوة أحد بصبغتها الإلهية أن الجهاد في سبيل الله ليس اختياراً لأنه يحقق النصر على الأعداء، ولأنه تشفي به صدور المؤمنين، بل الجهاد خيار المؤمنين تنفيذاً لأمر ربهم إذ حاجتهم إليه في كل حال وعلى كل متقلب سواء تحقق به النصر أو الشهادة في سبيل الله، فإنهما حسنيان لا سبيل لهما إلا بالجهاد في سبيل الله تعالى.
الذين يتركون الجهاد لأنه طريق الموت، فالموت فيه شهادة في سبيل الله تعالى، أو لأنه درب الآلام فإن الآلام والمحن تكشف المؤمن من المنافق، أو مخافة حصول الذنوب كالفرار من الزحف فإن الذنوب فيه للمؤمنين مغفورة إن عادوا إلى جادته وهديه وسبيله.
لقد كشفت صبغة الله لغزوة أحد كل بواطن الكلمات الجميلة الخادعة التي يطلقها خصوم الجهاد والمجاهدين إذ عرتهم من عقلانيتهم المزعومة، ومصالحهم الموهومة، وجعلتهم أمام حقائق نفوسهم أنهم يحبون الدنيا ويخافون ويكرهون الموت في سبيل الله.
لقد آب الناس إلى منازلهم، وجليت الحقائق من لدن حكيم خبير، وإنسابت بعد أن فصلت كلمات الله تعالى لغزوة حمراء الأسد الآتية حكمة الله في خلاصة غزوة أحد بقوله تعالى:
﴿ماكان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب، وما كان الله ليطلعكم على الغيب، ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء، فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم﴾
إذاً ستبقى قسمة أحد للمؤمنين ما كان الزمان، كما ستبقى قسمة بدر لهم كذلك، يتقلبون بينهما ليحيى من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة، إذ لولا الجهاد والهجرة لما عرف الناس الفرق بين المؤمن والمنافق، فالبواطن لا يطلع عليها البشر إلا بعد ظهور أعمال الإنسان، والإدعاءات كثيرة، والألسنة تتقن الليّ والكذب، فهنيئاً لأهل الجهاد في كل زمان لأنهم يثبتون دوماً أنهم يحبون الله ورسوله ولذلك فلهم أجر عظيم.
غزوة حمراء الأسد
عندما تكون الأمة حية بقيمها ونفسيتها، واثقة بربها، ثابتة دائبة لتحصيل مقاصدها فإن العوارض لا تقضي عليها، بل تصبح هذه العوارض القوامس مصدر تحدي، وباعث استجابة للنهوض والحياة، وهكذا كانت أمة الإسلام بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم، فحصل لها النصر والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجاً، فلما حصل ما حصل من غزوة أحد، وانصرف كل فريق إلى موطنه، وبدأ تقييم النتائج، اهتزت ثقة المشركين بهذا النصر، إذ لم يروا فيه تحقيق أهدافهم فقالوا:- "لا محمداً قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، فبئس ما صنعتم" فأرادوا الرجوع إلى المدينة ليجهزوا على الإسلام كله، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم، انتدب المسلمين للخروج، وأذن مؤذن أن لا يخرجن أحد إلا من حضر