تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم، والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير)).

بهذه الآيات التي وصف الله موازين جديدة للقتل في سبيل الله تعالى، وأخبرت عن عالم علوي غيبي لا نراه ولا نشعر به ولا نعلمه.

بهذه الآيات التي كشفت عن عرس سماوي بسبب القتل في سبيل الله، حيث تقام فيه أهازيج الإستبشار والفرح وتوزيع النعيم والفضل الرباني الواسع.

بهذه الآيات التي تفرح القلوب الحزينة لفراق الأحبة والإخوان، وتبكت وتؤلم المخذلين والمعيرين بكثرة قتل المسلمين في غزوة أحد.

بهذه الآيات التي جعلت القتل في سبيل الله حياة حقيقية، وفي جوار الرحمن، ويطاف عليهم الرزق فلا ينقطع.

بهذه الآيات كانت خاتمة رحلة غزوة أحد، حيث كانت الصبغة الإلهية بعلومها وحقائقها وموازينها، وتقريراتها وأحكامها.

هذه الصبغة الإلهية الخاصة حيث سرت في النفوس والقلوب والعقول والمشاعر، فلم ترو الخبر الأرضي فقط، بل خبر السماء كذلك، ولم تكشف بدن المعركة وظاهرها فحسب بل بواطن الناس ومراتبهم ومواقفهم حيث يكتمون ويخفون.

لقد اكتملت الرحلة مع صبغة الله تعالى وهي تدافع عن الجهاد وأهله، وترفع شأنهم، وتغفر لمخطئهم، وتكافئ شهيدهم، وتقوي ضعيفهم، وترمم ثلمات السيوف بعد ضراب المعارك.

هي صبغة الله تعري المخذلين وزاعمي الفكر حيث يقيسون النتائج بالماديات الدنيوية لا بالأبنية الأخروية، وحين يقيسون الهزيمة بعدد الشهداء، فتجعل هذه الصبغة الإلهية الهزيمة العظمى أن يرتد المسلم عن إيمانه ودينه وصلته بالله تعالى.

هذه الصبغة التي لا يمكن شرحها إلا بأن تتلى هي، لأن تلاوتها تفسيرها، فإنها هي فقط حين تتلى تدمع لها العيون وتقشعر لها الجلود، لأنها كلمة الله تعالى، ولأنها غزوة أحد بصبغتها الإلهية.

لقد كانت غزوة أحد منارة يسري نورها في كل زمان منذ أن كان الأنبياء يقاتلون هم وأتباعهم فيقتلون ويقتلون.

غزوة تتخلل الحياة والجماعات المؤمنة فيقتبس من هديها، ويجتني من جناها المؤمنون في كل موقعة وكل حادثة، إذ ستتخذ آياتها رداً على المشككين في منهج الحياة الذي يرتضيه المجاهدون، فيعملون به ويحيون به حياة الأنبياء المقاتلين المجاهدين.

آيات تعالج الداخل الإسلامي حين تصاب الجماعة المؤمنة بمصيبة وهزة، فيتخذها المخذلون حجة لهم لضرب الجهاد والمجاهدين، وكشف عوراتهم، ومدح مناهجهم الباطلة، فتأتي هذه الآيات لتكشف سوءات نفوسهم هم، وتمدح المجاهدين، فتتحول كل خصالهم إلى نور وفضيلة يتسابق إليها المؤمنون بالله واليوم الآخر.

إن الجماعة المؤمنة، وفئة الجهاد وأهله حاجتهم لهذه الغزوة كحاجتهم للنصر الذي لاقوه في بدر، فللنصر فضيلة، ولغزوة أحد فضائل لا تقل عنها، بل قد رأينا أن رحلة القرآن مع غزوة أحد أطول وأكثر عبرة وتربية.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٧٦