تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويفسدون عليهم مستقبلهم، فها هو الموت حياة، وها هو المجهول نوراً وضياءً وبصيرة، وها هو المستقبل في جوار الرحمن وفي أحضان الجنان، فلا نامت أعين الجبناء.

هذه الآيات علامة وصول وصريخ حق حين ترفع شواهق بناء الدنيا، وتتزين عرصاتها بالشهوات الزائلة، ويقف المرجفون قطاع طريق يسلبون إرادة الموت والشهادة، فتصرخ فيهم:- هناك إخوانكم ينادونكم أن تعالوا هنا حيث لا خوف ولا حزن، فلا خوف من قادم ولا حزن على فائت، فإن خفتم زوال النعم فلا زوال، وإن خفتم تقلب اليسر إلى العسر فلا تقلب، وإن خفتم إستبدال السعادة فلا إستبدال، وإن خفتم نقص الرزق فلا نقص، فكل ما أنتم فيه دائم مقيم، ثم لا حزن أن فاتكم الأولاد والأزواج، ولا حزن أن فاتتكم الشهوات لأن ما هم فيه أعظم وأحلى وأسبغ من كل ما فاتكم في الدنيا، فلا خوف ولا حزن إذاً.

هي صريخ غيبي للإرادات حين تكسل، وللنفوس حين تضعف وتخمل، هيا اقبلوا فلم يبق إلا القليل، إنما هي ضربة بالسيف ويحط بكم المقيل في جوار الله سبحانه وتعالى حيث الأهل والنعيم.

لقد جاءت هذه الآيات جواباً لسؤال الشهداء وهم في الجنة لربهم أن يعودوا للدنيا حتى يقاتلوا مرة أخرى فيقتلوا في سبيل الله مرات، لما رأوا من أجر الشهداة ومتعتها، ولكن مضى قدر الله أن لا يعود من يذهب، ولا أقول من يموت، لأننا نهينا أن نقول عن القتلى في سبيل الله تعالى أمواتاً.

هذا القتل في سبيل الله تعالى الذي يهرب منه الناس هو أمنية الشهداء وهم في الجنان، وهو سؤالهم لربهم، فعجباً لهذا الأمر الغريب، حيث تتقابل الأوهام أمام الحقائق، وتنهار التصورات الجاهلة حين تشرق عليها آيات القرآن الكريم.

هذه الآيات تصفع المستهزئين بالمجاهدين أنهم يحملون ثقافة الموت والقتل، والحق أنهم هم يحملون الجهل والخور وحب النخامة، وأما المجاهدون فهم أهل القرآن، وهم يحملون حب جوار الرحمن واللحوق بالصحابة الأخيار، ويركضون إلى منزل أبيهم الأول آدم عليه السلام، فخذوا أنتم من جناح البعوضة ما تشتهون، وتنافسوها كما تحبون، فوالله لن نحسدكم على شيء منها، لا على ذهبها ولا على سلطانها وقصورها، وإن ما نسعى إليه فقط أن نموت شهداء، وحينها ستكون البشرى بنعم الله تعالى وفضله.

إن هؤلاء الشهداء لهم بشارتان دوماً؛ بشارتهم الأولى حين يعلمون بأن أخاً لهم قادم على الطريق التي سلكوها من قبل، فيعرفون، ذلك لأنهم طلبوا من الله تعالى أن يبلغ إخوانهم من بعدهم بما أصابوا من النعيم والفضل ودخول الجنان، فأنزل الله هذه الآيات استجابة لطلبهم، فيتم الإعلام بذلك، فإن جاء الخبر أن أحدهم آت فرحوا بذلك فاستبشروا بأن أخاهم في مقام عدم الحزن ولا الخوف.

وأما البشارة الثانية فهي نعم الله تعالى عليهم، وفضله العميم الذي يصيبهم غدوة وعشياً، وما هذا الذي يرونه إلا بسبب أعمالهم، فهي أجورهم التي يوفيها الله لهم ويزيدهم من فضله، وهذا لكل مؤمن سواء مات شهيداً أو محباً للشهادة أو مات على فراشه ذلك بأن الله لا يضيع أجر المؤمنين.

وهكذا تفترق الحالتين عند وقوع الشهداء؛ أهلهم في الدنيا يبكون، وإخوانهم في الجنان يفرحون، فبكاء أهلهم للفراق، وبكاء إخوانهم في الجنان للقاء، وبكاء أخوانهم حزناً عليهم، واستبشار أخوانهم فرحاً بهم، وأما هم فسيكونون سلفاً لمن يأتي بعدهم كما كان أخوانهم سلفاً لهم لتتصل حلقة الشهادة فلا تنقطع، ولتدوم رحلة الشهداء إلى الآخرة، وأما غيرهم فيموتون وهم كارهون للموت، خائفون من عذاب الله تعالى كما قال تعالى عنهم في سورة الشورى:-)) ترى الظالمين

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٧٥