امرأة فرعون ((ربّ ابن لي عندك بيتاً في الجنة)) فطلبت جواره قبل الدار، سبحانه وتعالى، فهذه قلوب المحبين، والمخبتين وأهل المعاني لا أهل الرسوم والأجسام.
لقد تحدث المنافقون عن الموت، والآية جعلت الموت قنطرة حائلة، وعقبة مانعة للوصول إلى الجوار الرباني، فلابدّ من تجاوزها، هذا التجاوز ليس بمجرد الموت بل بتجاوز له سمة خاصة ونوع فريد هو القتل في سبيل الله تعالى، وحين تستقر القلوب مطمئنة وهي عالمة بهذا المصير وهذه العاقبة فلابدّ إذاً من اقتحامها، وهي مع هولها لقوله صلى الله عليه وسلم –كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة- إلا أن الشهيد لا يجد من الألم إلا كما يجد الإنسان من قرصة الذباب، ثم في لحظة تستقر روحه في أجواف طير خضر تأوي إلى قناديل معلقة في العرش، تسرح في الجنة ولها رزقها في جوار الرحمن سبحانه وتعالى.
إن قوله ﴿ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ جاءت بعد كل هذا الحديث عن الموت وحقيقته، وقدره، وأنه كتاب ولا دافع منه، وغير ذلك حتى إذا انقطعت حجج المخالفين جاءت هذه الآية لتقول لهم: ومع ذلك فما أخبرتكم به من حقائق لا دخل لها في ما وقع لكم من شهداء في غزوة أحد، لأن هؤلاء ليسوا كذلك بل هم أحياء عند ربهم يرزقون.
هي آية تصنع حاجزاً رقيقاً بين عالمين، عالم الحياة وعالم الحياة كذلك، ولكن هنا بعد الموت حياة عند الله، وأنتم في حياة أخرى عند أنفسكم.
هنا بعد الموت حياة فيها رزق بينته آية أخرى في قوله تعالى ((وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل، وأتوا به متشابهاً ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون))، فكل ما في الدنيا موجود في الآخرة، الأسماء هي الأسماء ولكن الحقائق مختلفة، وههنا رزق مقطوع وفي الآخرة – ظلها دائم- كما قال تعالى.
وقوله سبحانه ((ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أموتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون)) - هي أشد من قوله تعالى في سورة البقرة – ((ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون))، فإن هذه الآية في آل عمران نهي عن ظن الموت والثانية نهي عن القول، والنهي عن الظن أشد ولاشك، والله أعلم ما نزل أولاً، إذ يحتمل أن آية البقرة نزلت بعد آية آل عمران ويحتمل الآخر فلكل وجه، وإن كان الأكثرون على أن البقرة أول ما أنزلت في المدينة ثم آل عمران فإن صح هذا فالتوجيه بين أن النهي ترقى من الأدنى فالأشد.
أما قوله ((ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون)) ذلك بأنهم لما حطوا رحالهم في الجنة وتنعموا فيها، فأصابهم الفرح الشديد والغبطة العميمة قالوا:- يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا، لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله عز وجل:- أنا أبلغهم عنكم.
فيا عجباً أهل الأرض يبكون موتاهم وأهل السماء يتمنون أن إخوانهم يلحقون بهم، ويسرعون في اللحوق، ذلك بأن ما وجدوه من النعيم هو خير مما كانوا فيه، وأهل الأرض يرون أن أخوانهم قد ماتوا، وتلك مفارقة تدل على ضعف هذا الإنسان في هذه الدنيا، وقلة معرفته بحقائق الغيب، وبصر عالم الغيب، وأهله من المؤمنين.
إنها دعوة ربانية أن أقبلوا على الموت، وادفعوا أنفسكم للشهادة في سبيل الله تعالى حتى تبلغوا هذا المقام الغيبي الحقيقي، وهي آيات قاطعة لكلام المرجفين والمرضى أن المجاهدين يلقون بالشباب إلى الموت، ويذهبون بهم إلى المجهول،