تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

((وقد ذكرت سابقاً ضرورة بيان ما فصلت سورة النساء عن الجهاد والمنافقين، إذ فيها أجوبة كثيرة على واقع المسلمين اليوم، وكشف لمواقفهم من الجهاد والمجاهدين)).

إن هذا الجواب القرآني لحجة المنافقين الواهية قد تقدم أنه إيصال للحقيقة من أقرب طرقها، وهو جواب يلجم الخصم ويقطع مقالته لأنه يحيل إلى الواقع لا للتجريد الذهني فقط، ذلك لأن فضاءات القول لا تحدها ضوابط، وكل المحاولات لوضع منطق عقلي جامع للبشر باءت بالفشل، وما قيل عن منطق أرسطو تبين أن الكثير من كلياته غير يقينية، ولا تصلح مقياساً لما يقوله الناس ويدعونه، هذا مع أن الكثير منه كذلك لا طائل تحته، أي أنه يعالج اليقينيات الفطرية بأدلة موهمة تضعف النتائج بدل إثباتها، والحق في هذا طريقة القرآن وهي أقرب الطريق للحق، وفطرية المقدمات، ومع سمة التحدي لأنها ترجع للواقع أكثر من التصورات الذهنية، ومنكر الحقائق الفطرية وسنن الواقع لا يستحق النقاش بل يوجب الحكم الشرعي، وهذا مراد القرآن في خلاصته، إذ يطلق الحكم على المخالف، ولا يعطيه حق الخلاف، ولا يعذره كما يفعل اليوم بعض من يتسمى بالمفكر الإسلامي وهو يعذر الكافر ويزعم أن له وجهة نظر تستحق البحث والمراجعة، وأن شبهاته في إعراضه عن الإسلام عذر له عن الإيمان والإسلام.

﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أموتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون، يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾

لقد إنماثت الصعاب، وانجلت الغمرات، وزالت الآلام وعاد المؤمنون إلى ديارهم الأولى، ومنازل أبيهم آدم عليه السلام التي أخرج منها، وآب المتعبون إلى دار النعيم، وحطوا رحالهم في دار القرار فلا زوال.

خاتمة غزوة أحد هي خاتمة الحياة بالنسبة للمؤمنين، إذ تلقي خاتمة القصة لتلك الإرادة الإلهية في الغزوة مع خاتمة الصادقين الذين بلغوا أعلى مراتب الرضوان والقبول، فآواهم الكنف السابغ والنعمة التي غرسها الرحمن بيده وجعل فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

هذه الخاتمة التي هرب منها الجاهلون ومرضى القلوب والمنافقون، وخوّفوا المؤمنين منها، وأرجفوا عليهم بأنها عاقبة جهادهم ونفيرهم، فيا لها من خاتمة مسحت فيها الرحمات، وكرز المؤمنون فيها إلى ديارهم وهم يقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور رحيم.

لقد كانت وما زالت قضية المنافقين والمرضى والمرجفين مع الجهاد وهي قضية التكاليف، وأعلى هذه التكاليف هي قضية الموت فجاءت هذه الآيات لتختم على هذه القضية في عالم الغيب، ولتعيد الفارق بين ما يعيشه الباقون في الدنيا وبين الذاهبين منها إلى الآخرة، فجاء النهي الرباني بقطع الظنون أن القتلى في سبيل الله تعالى أموات، بل هم أحياء، وحياتهم حقيقية إذ تجري عليهم أرزاقهم التي يتنعمون فيها، وبالتالي هم فرحون، لا تنغيص عليهم هناك، فلا ألم ولا تعب ولا خوف، فرح مطلق دائم لما يرون من فضل الله الذي أسبغه عليهم.

هذه الحياة الآخروية عند ربهم، وهي عندية القرب، وعندية الإحتفاء، وعندية الرضا، وعندية الحب والقبول، لأنهم رحلوا من عندكم إلى عنده سبحانه وتعالى، وقاعدة أهل الذوق تقول ((الجار قبل الدار)) وهي في قوله تعالى على لسان

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٧٣