لذلك نرى المجاهدين في زماننا هم أهل الفطر السليمة، وأهل الغيرة على الدين والعرض والأرض، وأهل الكرم والشجاعة، وهم ألين الناس على المسلمين، وأغلظ الناس على أعداء الله تعالى وأعداء الدين، وأما غيرهم فإننا نراهم من أقسى الناس قلوباً لمصائب المسلمين، إذ تعرض عليهم الويلات التي تقع على الأمة، فلا تحرك فيهم ساكناً لكلمة يقولونها، ولا تدفع أقوالهم لموقف يقفونه، فشتان بين الحالتين، فالله يحكم بينهما يوم القيامة.
ليراجع الشانؤون والمخذلون أنفسهم، وليعيدوا قراءتهم لكتاب الله تعالى، وليكثروا النظر فيه، والتنعم بآياته فقد ذكر الله أمر المعرضين عن تدبره في موضعين؛ كلاهما حديث عن المنافقين، وفي الموطنين في معرض الجهاد في سبيل الله تعالى؛ أولهما في سورة النساء يقول الله تعالى: أفلا يتدبون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.
قالها الله تعالى في سياق قضية الجهاد والمنافقين بدءاً بقوله تعالى: ((يا أيها الذين ءامنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً))، إلى قوله تعالى ((فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً))، وإنه سياق قرآني يعالج قضية المنافقين مع الجهاد في سبيل الله تعالى.
وثانيهما في سورة محمد، يقول الله تعالى: ((أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها))، وسورة محمد هي سورة القتال، لأن الجهاد هو موضوعها الرئيسي، وسباق الآية قوله تعالى:- ((ويقول الذين كفروا لولا نزلت سورة، فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم)) ... إلى قوله تعالى: ((ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم)) وهو غير السياق، يعالج قضية النفاق مع الجهاد في سبيل الله.
فاختيار الجهاد هو امتحان الإيمان، والإيمان به هو وعي ناشئ عن التدبر في كتاب الله تعالى بفعل مهتدٍ ونفس تحررت من أهوائها، وترك الجهاد والإعراض عنه وتزيين طرق الباطل دونه ومنشؤه النفاق إما إحالة وإما إتباعاً وجهل بكتاب الله تعالى وعدم التدبر فيه.
﴿قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾
هذه القاعدة القرآنية هي عين ما قاله الحكماء: أن الموت وإن تعددت أسبابه فإنه واحد، وهروب المرء من أحد أسبابه لا يعني أنه لا يأتيه، ولا يسع المرء أن يدفعه إن جاء وقته، إذ الموت قدر لا مهرب منه، فهو "كتاب" كما تقدم من قوله تعالى، أي لا مفر منه، قال تعالى: ((وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد))، وقوله تعالى: ((كل نفس ذائقة الموت))، فالمرء قد يسعى للموت ولكن لا يمكن له أن يدفعه.
نرى المنافقين في موقعة أحد يدينون الجهاد والخروج إليه أنه سبب الموت، ونراهم في سورة النساء يدينونه لأنه سبب المصائب كما قال تعالى على لسانه ((أينما تكونوا يدركم الموت وإن كنتم في بروج مشيدة، وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً)) فالمنافقون ربطوا ما يحل بهم من البلاء، وهو بلاء متعدد بسبب الجهاد في سبيل الله، فمنه قتل الأحباب، ومنه ذهاب الأموال وخراب التجارة والزراعة، ومنه تخطف المشركين لهم في غدرهم ورواحهم في الأرض، وغير ذلك، أقول قد ربط المنافقون هذا كله بسبب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهاده للمشركين، وهذا صنيع المنافقين في كل زمان، وهم اليوم كثر، وما يقولونه هو عين ما قاله المنافقون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يقولونه للمجاهدين في سبيل الله تعالى، والله يرد عليهم بقوله: كل من عند الله، لأن الخير نعمة والبلاء محنة وكلاهما ابتلاء الله تعالى لعبيده.