والتصور إنما صراعه في قضايا الحياة والواقع وتصوراته حولهما، أي بين أن يكون ربانياً عبداً متبعاً أم أن يكون حراً من هذه العبودية متبعاً لهواه.
﴿الذين قالوا لأخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾
هذه هي سمة حجج القرآن، فهي حجة الحقيقة الواضحة الجلية القاطعة، ولا تبعد الناظر إلى مهاوي الفكر التي تخفى عليه، لأن مثل هذه الحجج وإن أوهمت العلمية إلا أنه لا تقطع، ولا تنشيء اليقين، ولما كانت قضايا القرآن يقينية فأدلتها قاطعة للمخالف فكراً ونفساً.
هؤلاء قالوا وفعلوا، قالوا مقالة الكفر كما سماها القرآن قبلاً، وفعلوا بأن قعدوا، وقولهم: ((لو أطاعونا ما قتلوا)) أي ما هزموا لأن هذه مقالتهم، إذ أنهم أشاروا بعدم الخروج إلى أحد، فكانت حجة عدم الخروج ليس اختياراً للسبيل في القتال، هذا السبيل الذي يحقق الأفضل والأنجع في المعركة، بل سبب إختيارهم للقعود وعدم الخروج إلى أحد هو مخافة القتل والموت.
كل الحوار في ظاهره قبل المعركة وبعدها حوار علمي، والقرآن يكشف باطنه، ويعري خوف أصحابه من الموت، مع أن اختيارهم لطريقة المعركة هو نفس اختيار النبي صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه، ومع أن بعض الأصحاب بعد المعركة تساءلوا:- أنّى هذا؟. إلا أن البواطن تختلف فاختلف الحكم، والضابط بين الفريقين هو الفعل، فإن الذين خالفوا في الرأي بعدم الخروج خرجوا مع المؤمنين لما استقر الأمر على النفير وقتال قريش خارج المدينة، ولم يقعدوا كالمنافقين، ثمّ لما حدث ما حدث كان سؤال المؤمنين: لم أصبنا؟ وكان موقف المنافقين: لقد أصبتم بسبب خروجكم وعدم قعودكم في المدينة، فسؤال المؤمنين عن الأداء والفعل كيف هو، وسؤال المنافقين تعييراً وتخذيلاً وإرجافاً.
لقد كان موقف المنافقين منصباً على الخوف من الموت، والجهاد في سبيل الله تعالى بسببه، فهو إرجاف ضد الجهاد، وموقف المؤمنين والخلاف بينهم يدور داخل الجهاد كيف نؤديه وكيف نمارسه، ما هي الطرق السديدة لإصابة هدفه من النصر.
الذين يريدون إيقاف الجهاد تحت أي حجة من الحجج تحت دعوى المصلحة حيناً، وبإبراز بدائل وهمية حيناً أخرى هم في صف النفاق، علموا ذلك أم لم يعلموا، وكشفوا ذلك من أنفسهم أم لم يكشفوا، فإن النفاق يتخلل في القلوب خفاءً دون أن يعلم أصحابه عنه في صور كثيرة، وفي صور أخرى يكون موقفهم إتباعاً للمنافقين وألاعيبهم دون أن يعلموا سوء مقاصد من زين لهم هذه الأهواء والأفكار، والعاصم من ذلك هو اتباع الكتاب والسنة وسيرة الصالحين على وجه واضح، وبفطرة سليمة من التعمق المزعوم الذي يردده زاعمو الوعي والسياسة والفكر، فالواقع في كل زمان هو نفس الزمان، وأقسام الناس فيه هي طريقة الصحابة والتابعين، وليس طرق الأغيار ومذاهب الباطل التي انتشرت كالفطر في زماننا هذا، ولذلك فالجهاد في سبيل الله ليس إختيار العوام وقليلي الفكر والنظر، بل الجهاد في سبيل الله تعالى هو أمر الله، والعاملون به هم عباد الله وأولياؤه، وهم الذين يحققون الأثر في الواقع والتاريخ، وأما غيرهم فهم يلوكون الكلام الكثير والكبير لكنه الفارغ، وسيبقون دوماً على هامش الحياة يبكون ضياع حقوقهم التي يستحقونها أنهم الأئمة، وسيعيشون أحلام الفلاسفة أن العوام لا تصلحهم إلا الأفكار السهلة الساذجة، وأما هم فهم لطينة أخرى ومدن "فاضلة" ليست الأرض موطنها، وستجري الحياة والتاريخ لمن آمن بالقرآن وعمل به سواء أدرك حكمته (وهي مرتبة الصحابة) أو لم يدركها إلا بكونه عبداً لله تعالى يعمل بما يحققه له إرضاء الله ودخول الجنة.