تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجهاد عند البعض حالة ذهنية فقط، فهم يعارضون كل صوره، ولا يرضون عن كل ما يرون وقائعه، ومع ذلك يقولون نحن لا ننفي الجهاد ولا نعارضه، فإذا قيل لهم: أي جهاد تريدون؟ ذهبوا يشترطون شروطاً ليست من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعضهم يريد جهاداً يرضى عنه العالم أجمع، ويمدحه الكافرون قبل المؤمنين، وآخرون يريدون جهاداً لا غلط فيه، وقاعدون يريدون جهاداً لمعركة واحدة تفضي إلى الخلافة الراشدة، وأما الذين يشترطون الإمام الأعظم للجهاد فأعدم الله الأرض منهم.

سيرد على هذا الكلام بأنه دعوة إلى جهاد لا ضابط له، يتحول أهله إلى مجرد مقاتلين يفسدون ولا يصلحون، وهذا غلط في الفهم، إنما الحق الذي لا شبهة فيه أنه لابدّ من الجهاد بلا شروط تبطله وتعطله وتجعله إلى الحرام والكراهة كما يقول أهل الريب والخور، فهي دعوة إلى أن يكون الجهاد وكما كان دوماً هو حياة الأمة، تحيا به وتمارسه، ولا يتوقف بحال من الأحوال، فإن أخطأ أهله يسددون في أماكنهم، وإن تقاعسوا تستنهض هممهم، فلا يقال لهم توقفوا قط، ولا يخذلون بنشر ذنوبهم وأخطائهم، فلا يوجد في دين الله تعالى قط حالة واحدة تمنع حياة الجهاد ووجود المجاهدين في أمة الإسلام، فإن عجز عنه قوم في مكان من ديار الإسلام فلن يعدم وجود أماكن أخرى يسهل فيه وينهض أهلها له، فالجهاد حالة ترافق المسلمين وهو سمة الطائفة المنصورة دوماً كما في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

﴿والله أعلم بما يكتمون﴾

ليتذكر الذين تقرعهم آيات الله ذلك دوماً، فإن أمرهم وإن خفي يوماً على المؤمنين فلن يخفى على الله، وإن قدروا على تمرير مقالاتهم في الدنيا فلن تكون عليهم يوم القيامة إلا حسرة وندامة، وهذا التحذير الرباني متوجه إلى أن يكشف الإنسان نفسه قبل أن يكشفه للآخرين، فإن الإنسان قد تخفى عليه نفسه، وقد تختلط عليه دوافعه، فلا يدري سبب اختياره لقول دون قول، ولموقف دون موقف، فالقرآن يكشف له هذه الدوافع حتى يبصر غوائل ما يخفى عليه مما هو بين جوانحه، وهذا يقول فيه القرآن ((وكذلك زينا لكل أمة عملهم)) فما من أمر يحبه الإنسان إلا ويجد في نفسه زينة ورغبة ودليلاً لهذا المحبوب، وهذامن مكر الله تعالى بأعدائه، ومن إمتحان الله تعالى للإنسان، فينظر أيتبع ما زينته نفسه له ومن الأقوال والمواقف والأعمال أم يتبع أمر الله تعالى وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم.

النفس تزين له أقوالاًُ وأفعالاً كما يزين له الآخرون، وتزيينها أشد وأقوى لأنها تخلط له دوافع الشهوة مع الإعذار ودعوى الفكر والنظر، فيقف المرء موقف الإمتحان بين دين الله وبين نظره وعقله وما اختلط فيهما من شهوة وزينة، فالتقي هو من يرد فكره المضمخ بالشهوة كما قال تعالى ((إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس)) ويتبع ما حكم الله تعالى، ولا يلتفت إلى عوائق الإتباع التي تكثر بكثرة معرفة مذاهب الباطل وعرض الشهوات.

إن معرفة مذاهب الباطل معوق عند قوم ودافع للحق عند آخرين، ولذلك ينهى غير الراسخين في العلم من النظر في كتب الضلال والبدعة والكفر، وخاصة ما كان من الدقائق الخفية، لأنها تشتبه عليهم ولا يعلمون ميزان الحق فيها، وأما الراسخون في العلم فإن معرفتهم بها يزيدهم بصراً بالحق الذي أوحى الله تعالى به إلى رسوله لما يعلمون من غلطها وفسادها من جهة العقل الفطري قبل معرفتهم بمخالفتها لدين الله تعالى وشرعه، والبعض يظن أن مجرد أن يكون المرء فقيهاً بالمعنى الإصطلاحي، أي حافظاً لمتون الفقه ومذاهب العلماء فيه وأدلتهم كاف لبصره وفي معرفة الباطل ومذاهب، وهذا غلط جلي، لأن الباطل في كثير من أقواله وفي زماننا لا يصارع الحق في مسائل الفقه، ولا في مسائل الغيب

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٧٠