تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذا نفاق متردد ((كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا)) بخلاف الأول ((ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون)).

وقد أثبت الله أن الكفر كذلك كما في سورة الحج في قوله تعالى ((ومن يشرك بالله فكأنما خرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق)) فالأول صاحبه تخطفه الطير، أي تأخذه الشبهات والشهوات فتلعب به، فتنوس به أفكاره وأهواؤه في الكفر لا يستقر على حال من الكفر، فحيث عرض له عارض من الكفر أعجبه، فهو في حيرة كما قال تعالى عنه في سورة الأنعام ((كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا)) والثاني: تهوي به الريح في مكان سحيق، أي مستقر على نوع من أنواع الكفر، رضي به واستقر في نفسه، وزِّين له كما قال تعالى ((وكذلك زينا لكل أمة عملهم))، فتجده صلباً جلداً فيما هو فيه من الكفر، لا يروم عنه ولا يزول.

ولذلك أبقى الله لهذا النوع من النفاق باب التوبة وإنابة ورجوع كما في سورة النساء ((إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً، إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً)).

وهؤلاء بخلاف من قال عنهم: ((فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه)).

والناظر في كتاب الله يحتاج إلى معرفة الأحوال لمعرفة وجه الإختلاف في الآيات، وقد شرح هذا ترجمان القرآن ابن عباس لنافع بن الأزرق الخارجي ولغيره حين سئل عن بعض الآيات المشكلة على القارئ فبين طريقة الجمع بينها، وهي معرفة أحوالها، ومن أمثلة ما سئل عنه من المشكل الجمع بين قوله تعالى ((ولا يكتمون الله حديثاً)) وقوله سبحانه على لسانهم ((والله ربنا ما كنا مشركين)) فبين أن قولهم هذا في أول الجمع يوم القيامة، فإذا قالوه ختم على أفواههم واستنطقت جوارحهم فذلك قوله ((ولا يكتمون الله حديثاً)).

والنفاق في غزوة أحد كان في أوله، وفي بداية العهد ثم اشتد وعظهم حتى كان أعظم ما كان في غزوة الأحزاب ثم تبوك، وهذا يدل على أنه تدنى في دركاته وكثرت شعبه، فكانت سورة الفاضحة (التوبة) كاشفة لهذه الشعب ومشققة عنها.

قوله تعالى: ((قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا)) دليل على أن ظرف غزوة أحد لم يكن يحتمل الخيار بالتخلف والقعود، فهو خروج واجب قد ندبهم رسول الله تعالى إليه، لأن المشركين قد قصدوا المدينة والقتال، فإما أن يخرج المرء لمباشرة القتال وإما أن يكون ردءاً بالتكثير أو الدعاء كما قال بعضهم أو المرابطة، فحين يصبح الناس إلى صفين مختلفين فلا خيار ولا سعة للمرء بالجلوس والقعود، فإما مقاتل أو معاون أو مدافع أو مناصر وهذا بين في قوله تعالى ((ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله، ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم)) فهؤلاء الذين أعذرهم الله لم يسقط عنهم واجب النصح والإحسان، والنصح هنا هو إخلاص المودة والولاء، وصدق النصرة القلبية واللسانية، وهذا شرط الإعذار، أما اللاهون وأبعد منهم المخالفون والمخذلين فهؤلاء ليس لهم إلا المقت الإلهي.

﴿يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم﴾ ذلك لأنهم يعلمون أن الأمر من الجهتين إنما كان خروجاً للقتال لا غير، لكنهم قد يحتجوا بأن هناك من قبل خروجاً لم يقع فيه قتال، فقالوا: وهذا سيكون مثله لا قتال فيه، وهؤلاء الذين يدعون الفهم والنظر، ويسترون نفاقهم وجبنهم بهذه الأكسية الكاذبة قد كثروا في زماننا، حيث يدعون أنهم أهل مراقبة وتبصر، فما يقع اليوم وقع مثله أمس، والنتيجة واحدة، والحق أن هؤلاء قد نجحت فيهم لعبة الجاهلية وخططها حيث أركستهم إلى الخذلان

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٦٨