تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خذل هؤلاء المنافقون المؤمنين في موطن الشدة، حيث الخطأ الصغير يعقب قتلاً وهزيمة ودماراً، وهم يتعاملون معه تعامل الإحتمالات الباطلة، ويتلعبون في الدماء على وجه الجبن والكلمات التي لا تستر الحقيقة، فالناس من الجهتين خرجوا للقتال، وكل قد أعد عدته وقدم إلى ساحة الموت، وهؤلاء يقولون:- ((لو نعلم قتالاً لاتبعناكم)) فأي كذب هذا؟! وأي تلعب أوبقهم في الضلال؟!

لقد تعرت حقائقهم وحكم الله تعالى عليهم بحكمه: ((هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان))، وهو حكم العليم العادل، فقد وصف قلوبهم بعد أن وصف ظاهرهم، وقد رأى المسلمون ظواهرهم وسمعوا كلماتهم، ولكن هذا الوصف للقلوب هو من لدن رب القلوب الذي يعلم السر وأخفى.

هذا وصف وحكم رباني لحالة إنسانية، هذه الحالة التي لا تستقر على حال بل هي تنوس بين مواقف متعددة، تقترب من النور حيناً وتبتعد إلى الظلمة حيناً آخر، لا يستقر عليها الحكم ظاهراً لعدم استقرار حالتها باطناً، وهي مشكلة وجودية للمؤمنين كما هي مشكلة في الحكم عليها، والله أعلم بما تموت عليه، فقد تأتيها رحمة ربانية تسوقها إلى النور والتوبة والإنابة، وقد تمتحن فتنتكس فتبوء بالخسران إلى الممات، وأشد المحن عليها هو القتال في سبيل الله تعالى كما قال تعالى في سورة الفتح ((قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد، تقاتلونهم أو يسلمون، فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً، وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليماً))، وكذلك الصدقة والإنفاق كما قال تعالى ((ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين، فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون، فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون))

﴿هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان﴾

لم يحكم الله تعالى عليهم بالكفر التام، وذلك أن فيهم بعض إيمان، فلهم صلة به لم تنقطع، فلم يدخلوا الكفر دخولاً كلياً فيحكم عليهم له، وهو حكم عليهم ((يومئذ)) بالإسلام، ولكن هذا حكم لا يدوم لقوله تعالى ((يومئذ)) فقد يتغير بعد ذلك إلى أحد الطرفين، فيحكم عليهم به.

ثمّ هذا دليل على أن الكفر عمل كما أن الإيمان عمل، فبفعلهم هذا، وقولهم الذي حكاه القرآن عنهم صاروا أقرب إلى الكفر، وابتعدوا عن الإيمان، ولو فعلوا ما فعل المؤمنون لكانوا منهم.

ثمّ فيه أن المعاصي بريد الكفر، حتى لو لم تكن هي كفر أكبر بنفسها، إذ لو كان فعلهم هذا كفراً أكبر لحكم عليهم، لكن لما كان معصية فقد حملهم إلى قرب الكفر لا الكفر.

وبها يثبت نوع من أنواع النفاق، وهو نفاق الريب والضعف والمرض، وهذا حكمه مشكل لأنه لا يثبت على حال فيقوى ويضعف، وأما الآخر فهو المذكور في قوله تعالى ((فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه)) فهذا مستقر، ويجمعها قوله تعالى في سورة البقرة في وصف المنافقين ((مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، صم بكم عمي فهم لا يرجعون)) فهذا النوع الأول وهو النفاق المستقر على كفر قلوب أصحابه ولكنهم يسترونه، وأما الثاني فهو قوله تعالى ((أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين، يكاد البرق يخطف أبصارهم، كلما أضاء لهم مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم قاموا، ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير)).

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٦٧