وأكره إساءته)) والتردد هذا واقع بين ما قدره الله في اللوح المحفوظ وبين ما يحب، ولكن لا يقع إلا ما قدر، وهذا موجود في كتاب الله في مواطن منها قوله تعالى ((ولولا كلمة سبقت من ربكم لكان لزاماً وأجلاً مسمى))، وقوله تعالى ((ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب))، وقوله تعالى ((ولو يؤاخذ الله بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى))، ويدل هذا مع أنه لا يقع إلا ما قدره في الأزل، ولا يقع إلا بحكمة وتقدير وسنن، ولذلك قد يقع في المؤمن البلاء، والله لا يحب إساءته كما في الحديث- لكن يقع به لما يحبه الله له من الخير، فإرادة الله مقدمة، والمقصود من الإرادة هنا هي حكمته، فحكم الرب تقدم على مراد الإنسان، فمعنى قوله تعالى هنا –فبإذن الله- إنما المقصود حكمته وهي التي تحيط أقداره سبحانه وتعالى، وهذه الحكمة يترتب عليها المآلات وهي مقاصد الرب من الأقدار، ولذلك فقوله تعالى ((فبإذن الله)) هي لإفراح المؤمنين فيما وقع لهم في أحد، فإنها وإن ساءتهم إلا أن حكم الرب فيها مقدمة على حبهم ورغبتهم ورضاهم، كالمرض الذي يصيبهم، فإنه وإن يتعبهم إلا أن مآلاته خير لهم، فكانت أحد بمآلاتها خيراً لهم، ولو لم تكن إلا هذه الآيات التي نزلت عاقبتها لكان كافية في الخير والفضل.
لقد كان قوله تعالى ((فبإذن الله)) بعد المغفرة ليؤكد هذا المعنى، وهو ليس لبيان الإذن القدري فقط في حدوثه، ولكن لبيان حكمة هذا القدر في مآلاته لهم من الخير والصحة والتعليم والهداية، وقبل كل ذلك الشهادة التي حصلت لأوليائه وغيرها من الرحمات التي تنزلت عليهم، فقوله "فبإذن الله" هي نصيب المؤمنين من هذه المعركة لما علم الله من إيمانهم وما في قلوبهم من الخير، فقوله تعالى ((وليعلم المؤمنين)) أي ليظهروا إيمانهم الذي علمه الله تعالى فيهم قبل الموقعة، فإن علم الله تعالى أزلي، وكان بعدها نصيب المنافقين في الآية التي تلتها.
إن قوله تعالى ((فبإذن الله)) هنا هي كقوله سبحانه وتعالى في سورة النور في حادثة الإفك ((لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم)) لأن مآلات الأمرين لكم، ولخيركم، وهذا لأنكم أهل لذلك كله، فأنتم وعاؤه ورجاله، فإياكم وقول ((لو)) لأنها قول غيركم من المنافقين كما تقدم وكما سيأتي، فلا يعتبن أحد على أحد، ولا يثربن قائل بقول آخذ به في إختيار أحد الأمرين كالخروج على غيره، ولكن قولوا: قدّر الله وما شاء فعل.
﴿وليعلم الذين نافقوا ... ﴾
هذا حظهم من هذه الموقعة أن يعلم الله أمرهم أي يظهره ويكشفه، فهؤلاء لم يخرجوا مع المؤمنين إلى أحد، وتذرعوا أن عدم خروجهم سببه عدم علمهم بالقتال، مع أن الدعوة كانت للقتال لا لغيره، لكنه التبرير والتقصير، وهذا لا مجال لإقفاله، إذ أن مرضى النفوس لا يعجزون عن أي مقالة تبرر أفعالهم وضلالاتهم، مع أن السامعين يعرفون كذبهم، وهم يعلمون أن السامعين يعلمون كذبهم، لكنها صفاقة الوجوه، وضلالات القلوب، وعدم الحياء، وقلة الخوف من الله تعالى.
لقد قال لهم المؤمنون لما ساروا إلى أحد: تعالوا قاتلوا أو احضروا لتكثروا سوادنا فيقع بهذا التكثير دفه شر المشركين عنّا، فلم يخرجوا، وقالوا:- لا يكون قتال، ولو نعلم أنه سيكون قتال لخرجنا معكم.
هذا ظاهر الأمر، وأما باطنه فهم يريدون الشر برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين، ولا يحبون القتال في سبيل الله تعالى، ولا تكثير سواد المؤمنين، ولذلك قالوا مقالتهم الكافرة بعد المعركة كما في الآية التالية: ((الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا))، فهم حرضوا الناس على عدم الخروج لا نصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن جبناً من اللقاء وإعراضاً عن سبيل الله تعالى.