تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تعالى ((ولقد جاءكم رسول من أنفسكم)) فمقصود الآية أن يغير الإنسان علمه وعمله كذلك لا باطنه فقط، وهذا بين في قوله تعالى في سورة الأنفال:- ((ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم)) إذ جاءت هذه الآية بياناً لما وقع بفرعون وآله بعد قوله تعالى ((ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد)) فكان ما أصابهم بسبب ما فعلته أيديهم، لا بما يجري في بواطنهم من معاني وأماني.

وأما أعظم الناس ضلالاً في دراسة السنن وقواعد الإجتماع فهم الذين يلغون الإنسان وإرادته وإنعطافاته، ويجعلون الظرف السنني أو كما يسمونه الظرف الموضوعي هو الذي يحكم النتائج، والآية واضحة في تعليق النتائج على الإنسان، ولاشك أن من الإنسان قدرته وأدواته، وكذلك إرادته، فابتداء التغيير إنما هو الإنسان لا المادة، وهذا التفسير وإن كان أساسه واضحاً في الضلال إلا أن بعض أفراده تتغلغل خفية في بعض الدراسات التي تسمى إسلامية، وكذا في بعض الخطب والدروس، وأجلى صور التغلغل دعوى الإنتظار للعمل، فيتركونالمثير من الحق لعدم وجود الظرف الملائم له، بل يذهبون إلى التماهي مع الباطل حتى تأتي الصدفة!! ليقتنصوها (زعموا)، وهؤلاء من أجهل خلق الله في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسنة التغيير.

الظرف الموضوعي (السنني) هو صناعة إنسانية ضمن قدر الله تعالى وحكمته، والصدفة إن وقعت فإن من يغتنمها أصحاب الإرادات، ومن أعدوا للأمر عدته بعمل دؤوب وصبر أيوبي طويل، هذا مع أن الصدفة لا وجود لها، إنما هو القدر الذي يخلقه الله تعالى، وتتقدم أسبابه، وإلغاء الإنسان ليكون منفعلاً كلياً لا فاعلاً، ومتأثراً لا مؤثراً ضلال في التصور، ونرى من أهل البأس من يردد قوله تعالى ((ليس لها من دون الله كاشفة)) يجتمعون فيها على استحالة التغيير، وهذا ضلال وتأويل باطل للآية، يعلم هذا من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفى بقوله تعالى ((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)) رد عليهم.

ولوقوع المصائب على المؤمنين حكم أخرى غير الجزاء منها الإبتلاء والتمحيص، ومنها رفع الدرجات وبلوغ مقامات في الجنان لا يبلغها العبد إلا بالمصائب، ومنها كشف المنافقين وغير ذلك من المقاصد التي لها أدلتها من الكتاب والسنة، ومن هذه الأدلة الآية التالية وهي قوله تعالى:-

((وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين، وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون، الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين))

يتجدد هنا الرد على المنافقين وضلالاتهم، وذلك من خلال كشف فوائد المصائب والإمتحانات الربانية للمؤمنين وفئتهم.

هي صفة عظيمة لموقف ((التقى الجمعان)) فهي ميزة خاصة له، وصفة ينفرد بها من دون بقية المواقف، فالتقاء الجمعان ضرورة للبناء، وضرورة للمتحيص، وضرورة للكشف، وضرورة للتعليم، وضرورة للشهادة، ولذلك أمر الله به، وأمر بالإعداد له، والثبات يوم حصوله.

كان المصاب يوم أحد، يوم التقى الجمعان بإذن الله تعالى، وقوله ((فبإذن الله)) يحتاج إلى وقفة:-

من المعلوم أن كل شيء يقع في الخلق بإذن الله الكوني والقدري، فلا يكون إلا ما يريد، سواء كان هذا مما يحبه الله أو يكرهه، فالله لا يأمر شرعاً إلا ما يحب، ويأذن قدراً لما يحب ولما يكره سبحانه وتعالى، وقد يقع التنازع في نفس الرب بين مرادين له جل في علاه، ودليل ذلك في الحديث النبوي الذي يرويه عن الله:- ((ما ترددت في قبض عبدي يكره الموت

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٦٥