تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتأويل الفاروق لهذه الآية على هذا الوجه يدل على أمر مهم وهو أن الآثار القدرية للفعل لا تتبدل حتى لو سقط الإثم، ذلك بأن اثم أخذ الفداء يوم بدر قد غفر، لكن أثره القدري لم يسقط ولم يتغير فكان هذا يوم أحد، وتأويل الفاروق هنا هو من جنس تأويله لسورة النصر كما في سؤاله لترجمان القرآن ابن عباس بأنها نعْي رسول الله صلى الله عليه وسلم واقتراب أجله، وقد فهم الناس وجه التفسير هناك في سورة النصر، ولكن لا أعلم أحداً تكلم في توجيه هذه الآية هنا على المعنى الذي قاله الفاروق ورواه عن ابن عباس رضي الله عنهم، وقد تفكرت وأعملت كل جهدي إلى إدراك وجه أرتضيه فلم أوفق، إذ هذا من غوامض التفسير، ومن العلم الخاص، وعسى أن يهدي الله له صاحب دين وعلم لتفسيره أو أن يجد أحداً قال به من السابقين.

أما ما ورد بأن الصحابة قد خيّروا يوم بدر بين ترك الفداء وبين وقوع هذا الأمر فيهم- أي مصيبة القتل- فكلها أقوال تابعين لا تقوم بها الحجة، فلعلهم قالوها على وجه الرواية تفسيراً لتأويل الفاروق، إذ بعضها قيل على وجه الإرسال وبعضها منقطع، وما روي مرفوعاً متصلاً عن علي فهو ضعيف، ثم لو صحت هذه الرواية وهي تخيير الله لهم يوم بدر، فهي تحتاج إلى إدارك هذا المعنى من التخيير لأنه وجه عجيب والله أعلم، ولعلّ الناظر في كتابي هذا يعذرني إذ ليس بين يدي في كتابة ما كتبت وإلى الآن ما يلزم المراجع والكتب وكتبي بعيدة عني لا أملك منها شيئاً، فلا يبعد عن من كان هذا حاله أن يقصِّر أو يخطئ، والله يغفر لي.

إن تفسير الفاروق على الوجه الذي تقدم لا يلغي ظاهر الآية، وهي أن العباد إنما تصيبهم المصائب بما تقترفه أيديهم وبأعمالهم كما قال تعالى في سورة النساء ((ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك)) وقوله تعالى في سورة هود ((وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد))، وقصص القرآن مع الأمم السابقة إنما تحكم بهذه القاعدة الربانية العادلة كما قال تعالى في سورة سبأ ((ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور))، ولذلك علق الله سبحانه أي تغيير يقع في الناس على ما في أنفسهم كما قال تعالى في سورة الرعد ((له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءً فلا مرد له ومالهم من دونه من وال)) وهذه الآية جامعة لأمر القدر وسنة التغيير، فإن الله حكم فيه بإنفاذ مشيئته ولا مبطل لها ولا راد، وحكم أن هذه المشيئة إنما تقع على وجه حكيم، حيث يستحق كل أحد هذه المشيئة عاجلاً أو آجلاً، وبين فيها حال الإنسان حيث يقف أمام أقدار تتنازعه، فمنها ما وقع باختياره ومنها ما يأتيه بغير اختياره، والعاقبة فيهما إنما تكون بحسب ما يتعامل معها، وختمها بأن القدر الذي يكرهه الإنسان من سوء إنما يرد بولاية الله والقرب منه وحسن الصلة به، والذين يكتبون في السنة القدرية اليوم يأخذهم الحديث بعيداً عن مفهوم القدر الرباني، حيث يغفلون عن يد الله في الأمر، ويتوجه حديثهم وكأن السنن تجري على جهة العادة من غير إرادة ربانية لحوادثها، وهذا ضلال، لأن الله تعالى وإن خلق سنن الخلق إلا أن هذه السنن لا تجري أفرادها وآحادها إلا بإرادة إلهية لكل حادثة، ومن أمثلة ذلك الأمراض، فإن الله خلق لها سنناً وأسباباً لكن هذه الأسباب لا تحدث نتيجتها إلا بإرادة تتوجه إلى آحادها لقوله صلى الله عليه وسلم: "فمن أعدى الأول" فكما أنّ خَلْق السبب الأول احتاج إلى إرادة الخلق، فكذلك ثانية وثالثة إلى ما شاء الله تعالى يحتاج كل فرد منها إلى إرادة تتوجه إليه ليكون.

المقصود هو أمر الباطن، وهذا خطأ وجهل إذا قصروا الأمر عليه كما يوهم كلامهم، فهم يفسرون النفس على معنى يقابل البدن، وهذا غير مقصود الآية، فالنفس هنا أشمل من ذلك كقوله تعالى ((ولا تخرجون أنفسكم من دياركم)) وكقوله

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٦٤