تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾

يقول الله للمؤمنين هذا في معرض فضل النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، ورحمة الله تعالى باصطفائه وإرساله لهم، وهذا كله من قوله تعالى:)) فبما رحمة من الله لنت لهم ... )) إلى هذه الآية، وهذه الآية وأشباهها في القرآن الكريم من الآيات الجامعة لمقصد البعثة النبوية، وهذه الآيات تحتاج إلى مصنف خاص بها ليشرح المقاصد الربانية الجليلة –يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة-، فهذه ميراثه صلى الله عليه وسلم، والناس يرثون هذا الفضل، ويتفاوتون في الأخذ، وأعلاهم مرتبة من جمع هذه المقاصد، والبعض قد يقتصر على بعضها دون بعضها، فالوارثون إما أهل رواية وإما أهل دراية وإما أهل تزكية، ودين الله هو جمع هذا كله.

وسأقتصر على هذا هنا حتى لا نخرج عما نحن فيه من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم.

﴿أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنّى هذا، قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير﴾

من هنا تبدأ الخاتمة، لتلقي على المؤمنين خلاصة القضية، وتجمل الأجوبة والأحوال والمواقف والمقاصد، إذ أن ما تقدم قد تم فيه التفصيل والعلاج والبناء، هذه الخاتمة التي تحمل ربوبية المجيب وقهره وقدرته، وهي تطوي حيرة الإنسان وضعفه في إدراك حكمة الأحداث والوقائع، وتكشف أخص خصائص الإنسان الضعيف وهو النسيان، وعجزه حين يستغرق في الواقع دون أن يلتفت إلى أمسه ولا إلى نفسه، فها هم الصحابة رضي الله عنهم يتساءلون: أنى هذا؟ أي من أي وجه وسبب جاء هذا الأمر، ولماذا وقع بنا.

لقد سألوا هذا السؤال وقد وقعت بهم المصيبة بقتل سبعين صحابياً، وذلك بعد أن أوقعوا بالمشركين مثليها، أي قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، فكان الجواب: قل هو من عند أنفسكم.

لقد تقدم قوله تعالى: ((إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله)) فالقرح وهو الجرح واحد، فهذا مثل ما سبق، إذ قتل من الفريقين عدد مماثل، ولكن المصيبة في المشركين كانت مضاعفة وذلك بالأسر الزائد فيهم، إذ لم يؤسر من المسلمين يوم أحد.

وجواب الله تعالى بقوله ((قل هو من عند أنفسكم)) دون زيادة عما هو الذي في أنفسهم إنما هو من قبيل الرحمة بهم والشفقة عليهم والحب لهم، ذلك بأنّ سؤالهم متوجه، وإذا كان السؤال كذلك كان الجواب مطابقاً للسؤال دون أن يعدل عنه أو يزيد عليه.

وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ((قل هو من عند أنفسكم)) ماهو؟ وأعجب ما روي قول عمر الفاروق رضي الله عنه أنه بسبب أخذهم الفداء يوم بدر وتركهم القتال، وهذا رواه الإمام أحمد كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى، وهو اختيار جماعة من أهل العلم، هذا مع أن أخذ الفداء يوم بدر قد وقع المغفرة فيه ومسامحة الرب لهم وذلك في قوله تعالى في سورة الأنفال: ((ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم، لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم، فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً واتقوا الله إن الله غفور رحيم)). فقوله تعالى: فكلوا، هي على وجه الإباحة، لأن الأمر بعد النهي إعادة للحكم إلى ما كان من قبل النهي على الصحيح من أقوال أهل الأصول، فالأكل مباح قبل النهي، فكان الأمر به إعادة لحكم الإباحة.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٦٣