علاه، والكمال هو الفعل الكوني والعمل القلبي، وكذلك الرباني يملك القدرة على الفعل ويحقق الإيمان بتوكله على الله تعالى، وباجتماع هذين يتحقق مقاصده في الدنيا وأجره في الآخرة كما قال تعالى ((يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم، وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين))، فقد أمر الله المؤمنين بالإيمان وأمرهم بالقوة والإعداد إذ لا يتم الجهاد إلا بهما، ووعدهم إن تحقق هذا الشرطان بالأجر الدنيوي والأجر الأخروي كذلك، وحين يتخلف أحدهما يعني أن أحدى المقدمتين قد تخلف أو أن كلاهما قد تخلف، فالتوكل فعل قلبي يكون بعد القدرة اللازمة للفعل كما قال تعالى على لسان الأنبياء –ومالنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا- فجعلوا التوكل بعد الهداية وهي العلم والبصيرة، فالمرء لا يسلك الطريق الخطأ متوكلاً، والعازب لا يطلب الولد متوكلاً، والكسول لا يطلب الرزق متوكلاً وكذا مثله العاجز، فإن فعل ذلك فاعل فهو ضال سيصل إلى ضد مبتغاه، ولذلك فقوله تعالى ((إن ينصركم الله فلا غالب لكم)) يعلم بأن النصر لا يكون إلا بسبب، وسببه فعل كوني وأمر قلبي، أما الفعل الكوني فهو ما يعرفه الناس من سنن النصر في المعارك، وأما القلبي فهو التوكل ومثله أمور قلبية أخرى، وكلما قويت أسباب النصر كلما تحقق أعم وأشمل وأوضح، وقد تضعف الأفعال الكونية كالقدرة فتسد مسد ضعفها أعمال القلوب كما قال تعالى ((الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين)) ذلك لأن سلاح القلوب له أثر على نقص العدد يعلمه أهل الحروب والقتال، وهذا جلي في التاريخ لقوله تعالى ((كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين))، وهذا السلاح أقوى ما يصنعه الإيمان الذي يعلم الصبر والتوكل واليقين، ويدفع صاحبه للموت وحب الشهادة، فيقع في قلوب الأعداء الرعب والخوف والهزيمة.
هذه الحياة الدنيا دار سنن لا تتخلف أبداً، ولكن المؤمن يملك أدوات وأسباباً خاصة لا يملكها غيره، حتى لو علمها فإن تملكها له طريق واحد وصائب هو طريق الإيمان بالله ورسوله والدار الآخرة.
ثمَّ إن حاجة المؤمنين لهذه الأدوات الخاصة في حياتهم أكثر من حاجة غيرهم، لأن المؤمن مبتلى، وأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، والمؤمنون في العالم قلة أمام غيرهم على مدار التاريخ وإلى يوم القيامة، فهم بحاجة للعامل القلبي ليسد النقص في السبب الكوني، وحين يتخلى المؤمنون عن هذه العوامل القلبية تتحقق هزيمتهم يقيناً بلا تردد، والأمم والشعوب والأفراد لا تستقيم حياتهم على حال واحد، فالذين يملكون الأسباب حيناً سيأتي عليهم حال أخرى حين تعمل الحياة عملها في إستهلاك هذه الأسباب وإضعافها فتتعرى الأمم منها فمن ينصرهم في هذه المواقف؟! يقول الله تعالى ((ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون، فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة، بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون)) وقال تعالى ((ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد، وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم، فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب، وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد)).