فالنصر في القرآن أوسع من تحقق مقاصد المؤمنين في أعدائهم، بل يشمل عدم تحقق مقاصد الكافرين في المؤمنين كذلك، وهذا النوع كثير في القرآن الكريم فهنا قوله تعالى ((وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكفّ أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطاً مستقيماً)) وهذه في صلح الحديبية، إذ سماه الله تعالى فتحاً مبيناً وهو كذلك وصدق الله العظيم، وقوله تعالى ((إلا تنصروه فقد نصره الله)) وهذه في الهجرة النبوية.
ومن فضل هذه الكلمة وجلالها أنها لم تذكر في القرآن –والله أعلم- إلا مقرونة بالله سبحانه وتعالى كما في هذه الآية وفي قوله تعالى في سورة الصفّ ((وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب))، وفي سورة الأنبياء في ذكر نوح – ((ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا)) وفي سورة النصر –إذا جاء نصر الله والفتح-، ذلك لأنها من الخير، والخير كله منه سبحانه وتعالى جل في علاه.
إن مجيء هذه الآية في سياق غزوة أحد وبعد القرح قطع للنفوس أن تذهب إلى مواطن أخرى باحثة عن النّصر، إلى طرق وسبل غير سبيل الله وهديه وعطائه، لأن أول الأسئلة التي تطرح بعد القرح والمصيبة لم هذا؟ فإن تشوفت النفوس إلى خطأ وانحراف صدتهم هذه الآية إلى الهدى والصواب، وهذا مكر وقعت فيه الأمة في أزمنتها المتأخرة حين هزمت واجتاحتها جيوش الكفر فكان السؤال لم هذا؟ وقد كان أكبر المسائل التي رفعت وإلى الآن: لم تقدم الكفر وازدهر وانحط المسلمون وتأخروا، وعامة المؤلفات والكتب في الوسط الإسلامي تدور حول هذا المعنى ومعالجة أسبابه، ذلك لأن النصر هو شوق الأمم والشعوب الحية، وهذه أمة الرسالة والخيرية، وفيها مشاعر العزة التي لن تموت ما دام القرآن بين أظهرها، والأمم الحية التي تستمر ولا تموت هي الأمم التي فيها موامل الإستجابة والتحدي، وتملك أسباب ومقومات هذا التحدي بل والغلبة كذلك.
هذه الآية تقول لهم إن النصر له طريق واحد هو طريق الله، وله سبيل واحد وهو إرضاء الله، ذلك كله ضمن قدر الله وسننه في الخلق لا بما يفهم أهل الجهالة والإنحراف من نفي الأسباب الكونية، فمثل هذه الضلالات لا تصنع نصراً ولا عزة، فالذين يريدون النصر في الدنيا بلا أسباب زاعمين التوكل هم مثل مريدي الجنة بلا أعمال زاعمين حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والله يقول:- ((قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم)).
القرآن الكريم يقيم ثنائية متكاملة بين العمل القلبي والفعل الكوني، يجمع هذا قوله تعالى ((الذين آمنوا وعملوا الصالحات))، وأغلب الإنحرافات الفكرية والفلسفية إنما سببها إقامة تعارض بين الثنائيات إما بالإلغاء وإما بالصراع، ولذلك إن كان ثمة جدلية في الإسلام فهي جدلية التعاضد والتكامل، لأن الكون مع تنوعه تنوع في واحد، فالكائنات الحية كلها تتكون من الخلية، لكن هذا الواحد يتنوع ويتعدد، وهذا دليل على وحدانية الخالق وقدرته وحكمته، وكذلك شرعه وكونه، فحواريو الأنبياء لم يعلموا صدق نبوة الأنبياء إلا لموافقتها لفطرهم، وهي أصل التكوين، فدل ذلك على توحدها، والمؤمن القوي هو الذي يحقق المشيئة الشرعية والمشيئة الكونية في آن واحد، وهذا هو منتهى العبودية وبذلك تتحقق الربانية في الإنسان، وتخلف أحد المشيئتين تخلف في العبودية، ولذلك فعدم النصر –وهو فعل كوني- هو ضعف غير محمود في نفس الرب سبحانه وتعالى، وكذا من حقق الغلبة دون إيمان فهو غير محبوب لله سبحانه جل في