تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والعلم، وهكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقات مأمونون وعقلاء علماء وأهل بصيرة، وهذا مدح جلي واضح لمن تأمله وأنعم النظر فيه.

وأما قوله تعالى ((فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين)) فهذا إرشاد وتعليم بعدم التردد، لأنه من موانع النصر، وعامة أسباب الخذلان والوصول إلى الأهداف هو عدم العزيمة الصادقة، والتردد في استقبال الأمور التي استقر الأمر عليها، وهذا التردد قد يكون منشؤه الجبن أو عدم الخبرة أو ضعف نفسي من مباشرة المهمات الكبيرة، وعلاج ذلك إنما هو التوكل على الله تعالى، وقوله تعالى ((قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)) فالإستعانة به وطلب الإمداد منه وحده يقوّم هذا كله ويصلحه ويداويه، والتوكل سبب من أسباب تحصيل المراد، وليس أمر أخروي له تعلق بالأجر فقط، بل هو من الأسباب التي هدى الله المؤمنين لها لتعينهم على مرادهم كما هو شأن الدعاء كذلك، فكلها أسباب كونية شرعية في هذه الحياة، وهو واجب من واجبات القلوب باتفاق العلماء لا يخالف في ذلك إلا الجهلة من العباد والزهاد.

﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله tليتوكل المؤمنون﴾

إن الثقة بالله تعالى والتوكل عليه سبب لحصول النصر، لأن النصر في خزائن الله وحده لا يملكه أحد سواه، فهو يعطيه لمن يستحقه، ويمنعه عمن لا يستحقه، وكل هذا بسبب وقدر وحكمة، فمن أراد النصر فليتوكل على الله، وهو عمل قلبي، والنصر فعل إنساني يمن الله على من قدر عليه، ولا يقع إلا بقدرة تامة وإرادة جازمة، وهو كالرزق كذلك فعل إنساني يقع بقدر وحكمة وسبب، وحكمة النصر ترددت في القرآن وهي من المصطلحات التي تحتاج إلى شرح لخطأ كثير من الناس فيها كما يخطؤون في تفسير كلمة الإيمان والتوكل وغيرها من المصطلحات، والواجب أن تفسر هذه المصطلحات من خلال القرآن نفسه لا من خارجه، وذلك بمعرفة الواقعة على وجهها الصحيح وملاءمة المصطلح الذي أطلقه القرآن عليها، وبذلك تبين معنى المصطلح، وقد أطلق القرآن حكمة النّصر على وقائع متعددة، وتصور هذه الوقائع كما هي في نفسها يكشف معنى هذه الكلمة في القرآن الكريم، ولعلّ هذا قد تقدم الإشارة إليه في غزوة بدر.

جعل الله النصر مقابل الخذلان، والخذلان فعل إنساني، لأن الترك فعل على الصحيح في أقوال أهل العلم وكلف الإنسان به، ويحتاج إلى إرادة وقدرة، والخذلان مذموم صاحبه، ناقص الإيمان، ويفعله الإنسان لعجز أو كسل، لعجز أو كسل، لعجز الإرادة أو جهلها، وذلك دليل على أن النصر فعل إيماني يمدح صاحبه، وإن فهم هذا على وجهه يعلم معنى النّصر، فمن قام إلى ظالم فنهاه ووعظه فقتله كان شهيداً، فهذا فعل إيماني فهو في ميزان الشرع نصر حتى لو قتل صاحبه، ولذلك قال تعالى ((وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)) فقد حكم الله بنصرهم بثبوت الإيمان في قلوبهم، فهذا يدل على أن النصر ليس فعلاً مادياً فقط لكنه أشمل من ذلك وأعظم.

ثم جعل الله النصر مقابل غلبة الخصوم، ومقاصد الخصوم كثيرة أهمها –حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا- وفي كل موطن مقاصد تتعدد، فحيث لا يصيبوا مقاصدهم في المسلمين والدعاة والمجاهدين فغدت ثمّ النصر.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٥٩