أما من قال إن قوله تعالى ((فإذا عزمت فتوكل على الله) (هو لبيان حق النبي صلى الله عليه وسلم أن يذهب إلى قوله هو دون قول أصحابه فهو خطأ في التفسير مع أن هذا هو اختيار إمام المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى، ذلك لانه هو وغيره من التابعين قالوا إنه يجب أن يعمل بأمر الله تعالى سواء وافقه أصحابه أم لا، فيقال لهم:-
رحمكم الله تعالى، فإن أمر الله إذا قضاه إلى رسوله فلا يشاور فيه، بل هو واجب التبليغ لقوله تعالى: ((الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله)) ولذلك لما كان أمر صلح الحديبية أمراً من الله فإنه سار إليه وفعله دون أن يشاورهم، ولم يثبت عنه قط في هذه الواقعة أنه سألهم واستشارهم كما كان يفعل في أمور أخرى، ولذلك قال فيها: "إني رسول الله ولن يضيعني الله أبداً"، وأما الشورى فتكون فيما ليس فيه أمر قد قضاه الله تعالى من قبل، فامر الشورى في غير ما قضى الله تعالى فيه أمره، ولذلك كان رسول الله يذهب إلى ما يذهب إليه أصحابه حتى لو كان على خلاف رأيه، وهذا واجب على الأمراء والقادة، وهو القول الذي يجب أن لا يقال بغيره قط مهما زعم له أصحابه من أدلة ليست من كتاب الله تعالى ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما قول البعض إن هذا أشبه ببعض الأنظمة الجاهلية، فيقال لهم: وهل في هذه شبة وتهمة؟! إن من يرد الحق بمثل هذه الأدلة جاهل بدين الله تعالى، إذ لو رد كل أمر في دين الله لمشابهة بعض ما يفعل الضالون لرد الكثير من دين الله تعالى، ثم لا يوجد في أصول الفقه قط أن الحق يعرف من خلال مخالفته لأقوال الآخرين كما تقول أصول بعض الفرق الضالة.
لقد طبق عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه هذا الأمر خير تطبيق في اختياره وانتخابه لذي النورين عثمان بن عفان أميراً للمؤمنين وقال لعلي رضي الله عنه:- "لقد رأيت الناس لا يعدلونك بعثمان"، فهذا هو الإسلام، وهو دين الله تعالى سواء قال به الآخرون أو رفضوه.
فالشورى في الإسلام واجبة، وأقول إن من حق الأمة أن تشترط لدوام صحة البيعة شرط الشورى فإن أخل الأمير بها سقطت ولايته وإمارته، لأن الأمير في دين الله تعالى هو دليل الأمة في إقامة دينها وإصلاح دنياها، وهو نائبها لا غير، ومن فهم أن الإمارة في الإسلام على خلاف هذا المعنى فهو واهم باطل.
ثم إن الشورى ملزمة للأمير، إذ لا معنى لوجوبها دون أن تكون ملزمة، وأما تطبيق هذين المبدئين فهذا من اجتهادات البشر وما تفرضه وقائعهم وحياتهم.
وأعجب من رد المحكم بالمتشابه، فإن المحكم قوله تعالى ((وشاورهم في الأمر)) وهو أمر واجب كما هو بين فهو نص كما يعرف بالأصول، ثم يرد هذا الجليّ بقوله تعالى ((فإذا عزمت فتوكل على الله)) ودلالته على مرادهم في عدم إلزامية الشورى دلالة لا ترقى للظاهر، فكيف يرد النص بما هو دونه، مع أن هذه المسائل تحتاج إلى تفصيل أكثر من هذا الموطن.
في هذه الآية فضل ومناقب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يشاورهم، وهذا يدل على تعديل الله لهم، فإن المرء لا يشاور إلا الثقات المأمونين، وكذلك لا يشاور إلا أهل البصيرة