تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عليه وسلم في أبير النخل ((أنتم أعلم بأمور دنياكم))، لكن إن قال شيئاً على وجه الجزم فهو وحي يوحى لا يجوز لأحد الإستدراك عليه ولا رده، وأقول على وجه الجزم لأنه قال يوم حادثة تأبير النخل ((أظن)) فنسبها إلى ظنه وقوله صلى الله عليه وسلم، وما قاله البعض أن أمور الطب التي قالها صلى الله عليه وسلم إنما قاله على وجه الخبرة لا الوحي فهو خطأ محض لا يلتفت إليه البتة، وغفر الله لقائله. ومن أدلة أن ما قاله من أمور طبية هي وحي من الله قوله لمن استطلق بطن أخيه:- صدق الله وكذب بطن أخيك أسقه عسلاً. ومن أمثلة قوله على سبيل الظن لا الوحي قوله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين:- فقدت أنه من بني إسرائيل لا يدري ما فعلت، وإني لا أراها إلا الغار، إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشرب، إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشرب، وإذا وضع لها ألبان الشاه شربت.

فهو يقول فيه صلى الله عليه وسلم:- لا أراها: أي لا أظنها، ولعل هذا ما قاله صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه أن الممسوخ لا نسل له لحديث ابن مسعود عند مسلم:- إن الله لم يهلك قوماً أو يعذب قوماً فيجعل لهم نسلاً.

وقريب منه قوله صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس في الصحيحين: ويعجبني الفأل، قالوا: وما الفأل؟ قال:- كلمة طيبة. فقوله: يعجبني يدل على أثره النفسي لا أنه سبب للفعل.

فأمر الله تعالى لنبيه بالشورى هو أمر واجب، وعلى وجه الحقيقة لا لتطييب القلوب فقط، مع أن في الشورى تطييب للقلوب وهو الأمر المراد هنا في هذا السياق، ولكن فوائد الشورى أعظم من هذا المقصد فقط، ولذلك فالشورى واجبة على الأمير، يأثم إن تركها، بل قد يصح القول إن الأمير الذي لا يشاور أصحاب الشأن في أمر الأمة يجوز عزله إن لم يجب، لأن هذا ضرره وفساده على الأمة أعظم من ضرر أعدائها عليها، ولا يتلفت قط إلى وقائع التاريخ في هذا الأمر بل كتاب الله أحق بالإتباع، هذا إن تصورنا أن خلفاء المسلمين وسلاطينهم وقوادهم كانوا على خلاف هذا الأمر مع أني لم أره قط على وجه جلي صريح.

ثمّ هنا مسألة، وهي إلزامية الشورى، والحق الذي يجب المصير إليه شرعاً وقدراً، فإن كل الأدلة الشرعية تثبت أن الشورى ملزمة لا معلمة، بل لا يتصور للشورى معنى إن لم تكن ملزمة للأمير، أما أن يقول القائل إن للأمير أن يشاور أهل الشأن في مسألة من المسائل ثم يذهب إلى خلاف قولهم فهذا أشبه بالعبث واللهو منه إلى العقل والحكمة.

لسنا هنا في معرض بحث الأدلة ومناقشة المخالفين لكن يكفي أن يقال إن حادثة غزوة أحد دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم آخذ برأي أصحابه خلاف ما يحب، وعلى الضد من رأيه صلى الله عليه وسلم، وهذا ما يفسر قوله تعالى ((فإذا عزمت فتوكل على الله)) ذلك لأن الصحابة وجدوا في أنفسهم أن رسول الله آخذ برأيهم وترك رأيه فراجعوه في ذلك، فمضى إلى ما قرره من الذهاب لرأيهم، فهذا معنى قول الله تعالى ((فإذا عزمت فتوكل على الله)) ذلك لأنه عزم أمراً على خلاف رأيه وهو رأي أصحابه رضي الله عنهم، فأرشده الله إلى وجوب المضي فيه والتوكل على الله في أدائه وفعله وعدم التردد.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٥٧